أخذت فكرة الكتابة تستحوذ على مخيلة الكاتب "محمد أزناكي"، في ليلته الاولى دخل مخيم موحش على تخوم الحدود اليونانية، يقول بهذا الصدد:
"بدت المشاهد أمامي سريالية - مشاهد من مخيم المهاجرين على حدود اليونان - كأنها مُقتطف من فيلم، عندما خطرت لي فكرة بدت في حينها عبثية؛ أن أكتب كتابا عن هذا كله"، ص: 29."
فمن هو صاحب كتاب ما وراء اسطنبول؟ ولماذا اختار كتابة سيرته؟
"ما وراء اسطنبول"، سيرة سردية مستوحاة من قلب تجربة الهجرة السرية في تركيا وحلم الوصول إلى الفردوس الأوروبي. هي نوع من التجربة امتدت لثلاث سنوات، في تقاطعها مع أزمة الحدود التركية اليونانية ووباء كورونا.
صدر العمل في يوليوز 2026. يصل عدد صفحاته إلى 335 صفحة، بغلاف أنيق وحجم متوسط. تتوزع مضامينه بين مقدمة وتمهيد وثمانية فصول وملحق بعنوان "شظايا ما وراء الحكاية"، إلى جانب صور ينهي بها الفصول الثمانية، توثق لجوانب مهمة من مسار هجرة الراوي.
والكِتاب هو الاصدار الأول للكاتب والصحفي والفاعل الجمعوي، ابن منطقة الريف "محمد أزناكي"؛ الناشط الحقوقي في قضايا التعدد الثقافي واللغوي والديني بالمغرب. حاصل على الجائزة الوطنية للثقافة الأمازيغية سنة 2011، متخصص في الترجمة غير الرسمية من وإلى اللغة الأمازيغية. ولعل هذا الارث المعرفي التعددي، كان له أثر بليغ على تجربة البوح عن الهجرة في "ما وراء إسطنبول".
دواعي الكتابة:
انطلقت فكرة الكتابة عندما تلقّى السارد أول صدمة حقيقية في مخططه للعبور نحو أوروبا، حين وجد نفسه إلى جانب آلاف المهاجرين، أمام سياج حدودي محكم، وجنود مدججين بالسلاح، في مشهد بدد آمال العبور المنتظر. في تلك اللحظة أصبحت الكتابة حاجة ملحة لتوثيق مشاهد المعاناة والصدمة.. ومن تلك التجربة، أخذت نواة "ما وراء إسطنبول" تتشكل معالمها فأنتجت سيرة عبارة عن شهادة إنسانية، وتجربة أدبية ذاتية عاش"محمد أزناكي" وقائعها وأحداثها إلى جانب أطفال ونساء وشباب، لا هم قادرون على العودة إلى حياتهم السابقة، ولا هم قادرون على العبور إلى أوروبا. ثم جاءت صدمة وباء كورونا، تلاها تفكُّك المخيم على الحدود اليونانية التركية، ونقل المهاجرين بالقوة إلى مراكز اعتقال في ولاية أخرى، على الحدود التركة البلغارية..
ميلاد السيرة:
من الحسيمة المدينة المتوسطية الجميلة إلى مدينة طنجة، كبرى الحواضر المغربية على البحر المتوسط بدأت الحكاية، وتشكلت فكرة الهجرة إلى أوروبا. يوضح محمد أزناكي بهذا الخصوص:
"من قلب المدينة - طنجة يقصد - كانت إسبانيا تُرى بالعين المجردة، وكانت أضواء الضفة الأخرى تتلألأ ليلا، فتغدو جزءً من المشهد اليومي، وحُلمًا قريبًا في المتناول. هكذا إذن، بدأت فكرة الهجرة إلى أووبا تتشكل، لا بوصفها خيارًا، بل خلاصة لمسار طويل من التراكمات والاستنزاف.." ص9/8
"ما وراء اسطنبول"، كتاب نبع من رحم معاناة السارد في المهجر، متنقلا بين النُّزُلِ الرخيصةِ، ومراكز الايواء، والطرق الخفيّة، والمخيمات التي تُقام على عجل ثم تختفي سريعًا، دون أن تترك لنفسها اسمًا واضحًا؛ سيرة تجاوزت نقل الأحداث، إلى طرح أسئلة كبرى مُحرجة، لها ارتباط بالذاكرة والوصف الواقعي، مقرونا بالبعد الانساني الكوني، ورصد الواقع المُعاش كما يعيشها المهاجر بكل تفاصيلها في بلاد الغربة، بعيدا عن الصور النمطية العابرة.
الشخصيات المؤثرة في حياة الراوي بالمهجر:
- "حسن"، رفيق السارد في مخيم الغابة الحدودية، وشريكه في الخيمة البلاستيكية الصفراء، حيث تقاسما أيام الانتظار والخوف والبرد والحياة المعلقة بين الحدود والأمل. يقول عنه الكاتب:
".. وما إن دفعت الغطاء البلاستيكي وخرجت، وأنا ما أزال نصف نائم، حتى رأيت شابّا يجلس فوق صخرة بين الخيام. كان يرتجف بصمت، ملفوفًا بعدة معاطف بلاستيكية مختلفة الألوان، سوى غطاء بلاستيكي مبلل، وأغطية مشبعة بالماء، وأعمدة خشبية سقطت فوق بعضها. يبدو أنه لم يعرف الدفء منذ ساعات طويلة. ومنذ ذلك اليوم، صار له اسم داخل يومياتي.." ص: 60، 61
- الملالي: رفيق الراوي في رحلته الأولى إلى اليونان، انتهت باعتقالهما وأودعا داخل زنزانة وسط 181 مهاجرا، ذون أكل أو شرب، قبل أن يعيداهما للضفة التركية عبر النهر الحدودي..
- حمزة: زميل الراوي في البنسيون، الذي أقام فيه الكاتب ثلاث سنوات، ورفيقه في ورشات العمل السرية في أقبية إسطنبول..
- القنيطري والمسفيوي: مهاجران سابقان في ألمانيا والسويد، رحلا إلى المغرب بعد أحكام في قضايا سرقة، قبل أن يتمكنا مرة أخرى من العودة إلى أورويا. عاشا مع الراوي شهرا في الخيام البلاستيكية، وشهرا آخر في مركز في مركز إيواء وترحيل المهاجرين، ومطارة الشرطة في أزقة إسطنبول..
- إسلام: الجزائري الذي يريد أن يفرض نفسه وصيّا على معتقدات الكاتب الدينية والفكرية. شخصية متناقضة، حربائية ومصلحية..
- مالك: الطفل اليمني، الذي طردته صراعات علي صالح والحوثيين إلى نهر جامد على الحدود اليونانية؛ أحلام طفل أرغم على الانتقال مباشرة من رحلة الطفولة إلى الرجولة.
علاقة الكاتب بالمكان والذاكرة:
الحسيمة: الأصل، تعرف حالة عدم استقرار. يضطر شبابها، كما بقية سكانها إلى الرحيل؛ للدراسة أو الاستشفاء أو العمل في اتجاه طنجة أو تطوان أوأوروبا..
طنجة: مدينة انتقل إليها الكاتب في هجرته الأولى، بحثا عن عمل وحياة جديدة، ولم تمنحه الفرصة التي قدم من أجلها..
إسطنبول: ثلاث سنوات من الإقامة؛ مدينة خَبِر معالمها السياحية، حتى غدت شوارعها وأزقتها جزءا من ذاكرته..
بنسيون طُونجاي: شكل هذا البنسيون وقبله بنسيون إسماعيل، وقبلهما السكن الشبابي الجماعي فضاء لتجربة إنسانية قوية بين الشباب من جنسيات مختلفة، لا يجمعهم سوى الحلم الأوروبي. شكلت الجزء الأكبر من المتن السردي، الذي وثق ليوميات الكاتب..
الحدود اليونانية التركية: النهر والغابات وكمائن الجيش وحرس الحدود، وطباع القرويين اليونانيين والأتراك..
لمحة أدبية:
لغة السرد: وظف الكاتب كتابة سيرته الذاتية بأسلوت عميق وظف من خلالها تجربة هجرته كأداة تشكيلية لبناء النصوص السردية لسيرته، بلغة مُحكمة ورؤية واضحة، صاغ بهما أحداث نصوصه المتفرعة، والمتشابكة في آن واحد. تستند كليّا إلى واقع حقيقي عاشه الكاتب أو مرّ به، بسرد أقرب ما يكون إلى السرد الروائي، في بعده الفني والأدبي. كما يحتوي الكِتاب على جزءٍ هامٍّ بعنوان: "شظايا ما وراء الحكاية"، يضم قراءات وتأملات ونصوص تضيف أبعادًا اجتماعية وسياسية لظاهرة الهجرة، انطلاقا من هذا البعد الفني الأدبي الواقعي.
يكتب الكاتب سيرته بضمير الأنا ملتزمًا بميثاق الصدق الضمني، يشاكس فِكر القارئ ويجذبه بلغة أدبية يفكك بواسطتها الرموز والأرقام والدلالات، ويجمع هذه الشظايا بلغة متينة وأسلوب سهل مفهوم يجذب القارئ إلى عالمه السردي؛ فالكاتب هو السارد وهو بطل السيرة وساردها في نفس الوقت.
يبدأ المتن السردي في "ما وراء غسطنبول" قويّا، ثم ينخفض إيقاعه شيئا ما انطلاقا من محور "الأشقياء" ص: 44، وما يصاحب ذلك من بعض المتلازمات والتكرارات، خاصة في وصف السارد للحياة اليومية للمهاجرين الأسيويين والأفارقة داخل مخيم "بازار كولي" و "كيركلي". لكن، سرعان ما يرتفع النسق الإيقاعي للمتن السردي، ويعود لقوته مع تلاحق أحداث السيرة..
الزمن السردي "التشظي الفلاش باك" في سيرة "ما وراء إسطنبول"، تعكس البنية المتقطعة للنصوص والفصول. للوهلة الأولى تبدو متفرقة يطبعها حالات التشتت وعدم الاستقرار النفسي والمكاني التي يعيشها المهاجر. ثم، تتبدد هذه الرؤيا لدى القارئ، ويكتشف وحدة الحدث التي تجمع هذه النصوص والمتن السردي المحكم الذي يتقاطع مع نصوصها وفصولها.
"ما وراء إسطنبول"، سيرة مركبة، تجمع بين أدب السيرة والحكي وأدب الرحلة والتجوال، صاغها الكاتب بلغة أدبية هو الأقرب للسرد الروائ، مع ارتباط أحداثها بالواقع، كما يعيشها المهاجر في بلاد الغربة...
فسيرة "ما وراء إسطنبول"، محاولة لِاستعادة الوُجود والمتمنيات ولأحلام وارتباطها بالأزمنة والأمكِنة. ولذلك، حين يتصفّح القارئ صفحاتها، قد يجد شيئًا من نفسه في تعاقب أحداثها..



