مقدمة: في مواجهة الصمت المُؤسَّسي
لا يكفي أن يمتلك الشاعر موهبة استثنائية كي يأخذ مكانه في الذاكرة الثقافية الجمعية؛ إذ كثيرًا ما يقرر السياق الأدبي، بما ينطوي عليه من تراتبيات وتوزيعات للسلطة الرمزية، من يُذكر ومن يبقى في الهامش. وهذا بالضبط ما يجعل التجربة الشعرية والثقافية للمغربي محمد اللغافي حالةً جديرة بالدرس والمساءلة النقدية المعمّقة.
هو شاعر، كاتب وناشر مغربي، وُلد في 7 ديسمبر 1960 في الدار البيضاء. هو مؤسس ورئيس جامعة المبدعين المغاربة الحالية، ومؤسس جائزة الشعر الوطنية في المغرب. نشر أكثر من خمسة عشر كتابًا، تتنوع بين الشعر والقصة القصيرة، وشارك في العديد من التجمعات الشعرية الوطنية والعربية البارزة. يُعتبر من رواد الشعر الحديث في المغرب، حيث تعود بداياته إلى أوائل الثمانينات كمؤسس لحركة "الحواس الخمس" الشعرية، وهي حركة فنية نشأت لمواكبة مسار الحداثة. تمت ترجمة أعماله إلى عدة لغات، منها الإنجليزية والفرنسية والفارسية والألمانية، والألبانية والإيطالية والكورية وغيرها...
تُقدّم هذه الدراسة تجربتُه في مستوياتها الثلاثة المتشابكة: المسيرة الإبداعية والإنسانية، والرؤية الشعرية والجمالية، والمشروع الثقافي والمؤسسي. وتتوزع على خمسة محاور رئيسية: أولها السيرة الإنسانية بوصفها نصًّا موازيًا، وثانيها ملامح الرؤية الشعرية والمعجم الدلالي، وثالثها قراءة في بعض أعماله، ورابعها المشروع الثقافي ودور جامعة المبدعين المغاربة، وخامسها موقع اللغافي في المشهد الشعري المغربي والعربي.
أولًا: السيرة الإنسانية بوصفها نصًّا موازيًا
1.1 اللغافي وميلاد الإختيار
وُلد محمد اللغافي في حي سيدي مومن بالدار البيضاء، ذلك الحي الذي تتشابك فيه الأصوات والوجوه والحكايات، ويفيض بحركة الحياة في أبسط تجلياتها. في هذه البيئة الحيّة المتدفقة، وبعيدًا عن الأبراج الزجاجية والقواميس الأكاديمية، تشكّلت أولى حساسياته الإنسانية، وتراكمت في داخله تلك المادة الخام التي لا تهبها المدرسةُ لأحد بقدر ما تهبها الحياةُ وحدها.
انقطعت رحلته الدراسية في الرابعة عشرة من عمره، لكن هذا الانقطاع لم يكن نهاية مسار، بل كان كما يكشف مساره كله لاحقًا، اختيارًا ضمنيًا لمدرسة أخرى: مدرسة الحياة والبحر والناس والتجربة المُعاشة. ومن أروقة العمل اليدوي وخدمة البحرية الملكية في الحسيمة، كان اللغافي يُراكم وعيًا بالعالم يفوق في عمقه ما تمنحه كثير من القاعات الجامعية.
وفي قلب هذه المرحلة، كانت الكتابة تُطلّ برأسها بهدوء: رسائل إلى الأهل وإلى القلوب، حيث يروي أن أولى تجاربه الكتابية كانت الرسائل التي كان يكتبها لوالدته وللفتيات خلال فترة التجنيد الإجباري، رغم خجله الشديد من مستوى كتابته آنذاك. وفي هذا التناقض بين الرغبة في التعبير والإحساس بالقصور يكمن أحد محركات الطموح الإبداعي الذي لم يتوقف طوال عقود.
1.2 التجربة السياسية والتحول إلى الكلمة
لم تقتصر تجارب اللغافي على الأدب؛ إذ خاض غمار العمل السياسي بوصفه مناضلًا يساريًا، وترشّح للانتخابات مرتين. غير أن الإخفاق السياسي، كما يصف ذلك اليوم بنظرة رضا وامتنان، كان نعمة مُقنَّعة أتاحت له البقاء في الفضاء الثقافي الذي وجد فيه ضالته الحقيقية.
يكشف هذا المسار المتعدد عن شخصية لا تنضوي تحت تصنيف واحد: هو الشاعر والناشر والمناضل والمنظّم الثقافي، وكل هذه الأدوار تتقاطع في مشروع واحد هو مقاومة البشاعة وصناعة الجمال في محيط لا يُيسّر ذلك كثيرًا.
وقد لاحظ الناقد عبد الحق عبد الفتاح الصولاحي في دراسته عن اللغافي أن هذه التكوين العصامي يمنح شاعريته خاصية نادرة: «محمد اللغافي رجل يُحسّ فيكتب دون تكلف ولا تقعر، وتشعر مع كل بيت من شعره أو قصيدة من قصائده أنه يحاول إطلاعك على إحساس من أحاسيسه أو تجربة من تجاربه».
ثانيًا: ملامح الرؤية الشعرية؛ المعجم والبنية والأسلوب
2.1 الشعرية العصامية: ما وراء الأساليب المدرسية
ما يميز اللغافي عن كثير من شعراء جيله هو ذلك الغياب المقصود لأي تظاهر بالثقافة الأكاديمية. شعره نابع من الداخل الإنساني الخام، لا من مختبر المؤسسة الأدبية. ولهذا يبدو أسلوبه سليقيًا بالمعنى الإيجابي الكامل للكلمة: مكتوب من جسد يتألم ويحب ويغضب ويتأمل، وليس من عقل يُحكّم قواعد العروض والبلاغة التقليدية.
تبنّى اللغافي قصيدة التفعيلة والنثر الشعري في أغلب إنتاجه، منجذبًا إلى حرية التعبير التي تتيحها هذه الأشكال. والجدير بالملاحظة أن هذا الاختيار لم يكن ترفًا جماليًا بقدر ما كان ضرورة تعبيرية: فما يريد قوله لا يسعه وزن مقفّى.
2.2 المعجم الدلالي: عناقيد المفردات الكبرى
يتمحور المعجم الشعري عند اللغافي حول عدد من الحقول الدلالية المتكررة التي تُشكّل رؤيته للعالم:
أ) الحرب والحب المتضايفان: الحرب عنده ليست فقط المعركة المسلحة، بل هي كل شكل من أشكال القسوة والقهر والإلغاء. وهي دائمًا في مواجهة الحب الذي يعتبره الشاعر الردّ الوحيد الممكن على التوحش. هذه المعادلة تتجلى في عنوان ديوانه الأحدث بوضوح فلسفي لافت: «اطمئني هذه الحرب لا تخصنا»؛ المحبوبة موجودة، والحب موجود، والعالم يتوحش حولنا لكننا نمتلك ما يجعلنا نصمد.
ب) الغربة والمنفى الداخلي: يتردد لفظ «المنفى» في قصائده بكثافة ملحوظة، لكنه منفى من نوع خاص: «لاجئٌ أنا في منفاي». هو منفى داخل الوطن، غربة في الهوية، إحساس بالفصل بين الشاعر ومحيطه. وهذا يجعل من الغربة عنده حالة وجودية لا مجرد وصف مكاني.
ج) الجسد والعاطفة: شعره ممسوس بالجسدانية - الدم والجراح والأوردة والأصابع - لكنها جسدانية روحية، حيث يغدو الجسد مرآة للحالات الوجودية الكبرى.
د) الزمن والذاكرة: يحضر الزمن في نصوصه كقوة ضاغطة وقاسية تدوس الأيام وتمحو الأمكنة: «الأمكنة التي كانت هنا عبرتني وراحت / لا مكان الآن».
2.3 البنية الأسلوبية: من الموسيقى إلى الصورة
يعتمد اللغافي تكتيكات أسلوبية متمايزة تمنح شعره نبضًا خاصًا. أبرزها: التكرار الذي لا يُضعف النص بل يُشحنه. فعبارة مثل «نحتاج» المكررة في قصيدة «أنا وإياك» لا تعني التكرار المعجمي بقدر ما تعني تصاعد الحاجة وتراكمها:
سَنَحْتَاجُ إِلَى وَرْدَتَيْنِ وَقَلْبٍ
نَحْتَاجُ إِلَى قُبْلَتَيْنِ وَعِنَاقٍ
نَحْتَاجُ إِلَى لَيْلٍ طَوِيلٍ وَجِدَارٍ صَلْبٍ وَغِيتَارَةٍ
ويستخدم الشاعر الصورة المركّبة التي تدمج متناقضات الواقع والحلم: «أصابع لا تعرف الضغط على الزناد»؛ الأصابع التي تعزف، وليست التي تقتل. هذه الصورة تُكثّف الموقف الإنساني والسياسي في آنٍ واحد.
كما يلجأ إلى السرد الدرامي حيث تبدأ القصيدة كمشهد مسرحي مكثّف: «أَصَابِعٌ ضَائِعَةٌ / يَلْهَثُ / بِالرَّذَاذِ صَادَفْتُهُ». هذا الاستهلال الإيقاعي السريع يشدّ القارئ مباشرة إلى لحظة الصورة.
ثالثًا: قراءة في بعض أعمال اللغافي
3.1 «أصابع ضائعة»: بيان جمالي
تمثّل قصيدة «أصابع ضائعة» في حد ذاتها بيانًا جمالية يستحق الوقوف عنده. في المقطع الافتتاحي، يشهد الراوي الشعري
لقاءً مع كائن مدهوش متعب يغتسل من «غب
ار السنين». هذا اللقاء يُهيّئ
لسؤال مزدوج: من أتعبك؟ وإلى أين تسير؟ والإجابة تأتي شعريًا مكثفة:
«لَا أعْرِفُ / في أيَّةِ وَرَقَةٍ أَضَعْتُ أَصَابِعِي / وَلا في / أيَّةِ قَصيدَةٍ أَضَعْتُ لِسَاني / وَلا في / أيّ مَقْهى تَرَكْتُ رَأْسِيَ مُسَمَّرَةً عَلى الطَّاوِلَةِ»
هذا السؤال الوجودي المتقاطر عن الأشياء الضائعة؛ الأصابع واللسان والرأس والقدمان والمفاتيح والقلب والاسم؛ يمنح القصيدة وحدةً موضوعاتية عميقة: إنه بحث الشاعر عن نفسه في زمن يُشتّت الهويات ويُعيد توزيع المصائر.
قصيدة «ميتافيزيقيا» تُضاف إلى هذا الأفق التأملي، حيث يتخيل الشاعر أن يكون قادرًا على الخلق في أجفان امرأة يعشقها، لينتهي إلى رؤية متناقضة: «تَصَوَّرْ أَنَّ كُلَّ هَذا الجُنُونَ حَقيقَة / وَأَنَّنِي أَنا الَّذي أَحْمِلُ عَالَمِي في ذِهْنِي». ولا يبدو الجنون هنا نقيصة، بل يبدو قدرة استثنائية على حمل الكون كاملًا داخل رأس واحد.
من أبرز القصائد أيضًا «وَيَسْقُطُ المَطَرُ شَريداً» التي كُتبت في غشت 1997، وفيها يتحوّل المطر من ظاهرة طبيعية إلى استعارة للإقصاء والاغتراب. إن المطر الشريد الذي يغترب بعيدًا «عن وصلات النشيد / بعيدًا عن الاحتفاء / بعينيك» هو صورة للشاعر نفسه بين أوساط أدبية لا تُتيح له الاحتفاء.
3.2 «اطمئني هذه الحرب لا تخصنا»: تجلّي الرؤية وعمق الموقف
صدر هذا الديوان عن منشورات جامعة المبدعين المغاربة حاملًا رؤية شعرية تُعلن عن نفسها بجلاء واكتمال، وكما قلتُ في ورقة سابقة عن الديوان بعنوان «محمد اللغافي... شاعرٌ يضحك في وجه الحرب والخراب.» أننا كمتتبعون لمسار اللغافي استقبلنا الديوان بوصفه "ثمرةً طبيعية لمسار شعري ناضج كنا ننتظر تجليه". ومنذ العنوان الذي يمثّل عتبة الديوان الكبرى، يضعنا الشاعر أمام مفارقة مركزية: كيف يُصاغ الاطمئنان وسط هذا الكمّ من الحروب الداخلية والخارجية؟ وكيف لحرب أن «لا تخصّنا» فيما دخانها يتسرب إلى اللغة والذاكرة والجسد؟ العنوان هنا ليس مجرد عتبة نصية، بل هو القصيدة الأم التي تتناسل منها بقية النصوص.
في قصيدة «أنا وإياك» يُكرّس اللغافي هذه الرؤية في صورتها الأكثر تكثيفًا:
هُمْ أَعْلَنُوا فِينَا الْحَرْبَ
وَنَحْنُ أَعْلَنَّا
الْحُبَّ
الحرب تنطلق من الخارج وتُفرض، والحب يصدر من الداخل ويُختار بوعي. غير أن هذا الاختيار - كما نبّهت - لا يخلو من تمزّق: الشاعر يخاطب امرأة لكنه في العمق يخاطب ذاته المرهقة، كأن عبارة «اطمئني» هي محاولة لإقناع نفسه بأن العالم ما يزال قابلًا للاحتمال.
ولا يسير الديوان وفق خط شعري واحد، بل يتحرك داخل دوامة من الأصوات والانكسارات. الحرب الخارجية حاضرة خلفية مشتعلة؛ القذائف والجثث والثكالى.. لكنها ليست سوى مرآة لحرب أعمق تدور داخل الذات: «ولا دليلَ يقودني إليّ». وفي مقابل هذا الضياع تظهر المرأة ملاذًا هشًّا يُقاوم الانهيار دون أن ينجو منه تمامًا.
تقنيًا، يكتب اللغافي بمقاطع قصيرة مكثّفة، السطر فيها موجَز حتى حدّ الوميض، لكن هذا الاختزال لا يعني البساطة؛ فهو يبني صوره من تناقضات مؤلمة: «أتطلّع كل صباح إلى ليل بدون كوابيس، وكل ليل إلى صباح خالٍ من الأحلام». والجسد في الديوان ليس استعارة جاهزة، بل المكان الذي يسكن فيه الألم فعلًا، وقد صرّح الشاعر بما يختصر ذلك كله: «جسدك منفاك».
أما السخرية فهي عنده وسيلة دفاع أكثر ممّا هي زينة لغوية، وضحكته الشهيرة في مطلع الديوان «هم يخططون بسوء للعالم وأنا أضحك» كما وصفتها: "أكثر أشكال المقاومة قسوةً ومرارة"؛ شاعر يُعلن انكساره بوضوح ثم يحميه بسخرية سوداء تجعل القصيدة متماسكة وموجعة في آنٍ واحد.
رابعًا: المشروع الثقافي؛ جامعة المبدعين المغاربة
4.1 من «حركة الحواس الخمس» إلى المؤسسة
تكتمل صورة اللغافي حين تُضاف إلى الشاعر ملامح المنظّم الثقافي. فمنذ مطلع الثمانينيات، بادر إلى تأسيس «حركة الحواس الخمس للإبداع الشعري»، وهي حركة أدبية خرجت من فراغ ثقافي شاسع لتُواكب ركب الحداثة.
انبثقت عن هذه الحركة «جائزة الحواس الخمس للإبداع الشعري» التي مرّت بها ست دورات متعاقبة، شاركت في دورتين منها بدعم من اتحاد كتاب المغرب الذي أسهم بمنشوراته في تعزيزها. وهذا التفاعل - رغم كونه محدودًا ومتقطعًا - يُشير إلى أن الحركة كانت تمتلك من المشروعية الأدبية ما جعلها قابلة للتفاعل مع المؤسسة الرسمية.
لكن الخطوة الأبرز كانت تأسيس «جامعة المبدعين المغاربة» قبل نحو خمس عشرة سنة، وهي الآن دار نشر قائمة فعلًا، تصل إليها بسهولة عبر هاتف وواتساب ويتفاعل معها المبدعون المغاربة والعرب والأجانب أيضا. وقد تجاوزت المنشورات الصادرة عنها مئة كتاب، وهو رقم لافت لمؤسسة تتمسك باستقلاليتها عن التمويل الرسمي.
4.2 الهوية المزدوجة: شاعر وناشر
تجمع اللغافي بين الشعر والنشر هوية مزدوجة نادرة في المشهد الثقافي المغربي. فهو لا ينشر فقط لنفسه وإنما يُتيح الجامعة لأصوات أخرى تجد صعوبة في النفاذ إلى دور النشر التجارية أو المؤسسية. وبذلك يُضاعف دوره: شاعر يُنشئ جمالا، وناشر يمنح مساحة للآخرين.
غير أن هذه الازدواجية لها ثمنها. فقد عانت جامعة المبدعين المغاربة من الإقصاء المتكرر من المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء، وهو ما يجعل المؤسسة الكبرى للكتاب في المغرب نوعا ما عائقًا أمام الأصوات المستقلة بدلًا من أن تكون فضاءً جامعًا للإبداع في تجلياته المختلفة.
يصف اللغافي هذا الوضع بلغة صريحة تكشف عن وعي سياسي بدينامية المشهد الثقافي: «لأن رؤيتي كانت أكبر من أن أجاري الرداءة والتفاهة، وقد فشلت في إرضاء جميع الأطراف ونجحت في إرضاء الفعل الثقافي». هذه الصراحة تعدت كونها مجرد خطاب دفاعي، بل أظهرت أنها موقف قيمي متماسك: الانحياز للجمال ضد البشاعة، حتى حين يكون ذلك الانحياز مُكلفًا.
4.3 الانتشار العربي وتجاوز الحدود
تجاوز اللغافي الفضاء المغربي الضيّق إلى آفاق عربية وعالمية أوسع. نشر في مجلة الدوحة القطرية، وجريدة الزمان اللندنية، ومجلة الأهرام المصرية ونُشرت صورته على غلاف مجلة برشلونة التي تصدر في إسبانيا. كما وُرد اسمه في مجلد الموسوعة الكبرى للشعراء العرب من إعداد الشاعرة المغربية فاطمة بوهراكة.
وكان الناقد أحمد الشيخاوي قد تولّى تحرير كتاب جماعي تناول فيه عدد من المؤلفين التجربة الشعرية للغافي تحت عنوان «شاعر عصامي يطلق لعنته»؛ وهو عنوان يُلخّص الصورة المزدوجة التي يُقدَّم بها: عصامية الأصل، ولعنة الكلمة قدرًا لا مفر منه.
خامسًا: موقع اللغافي في المشهد الشعري؛ بين الاعتراف والإقصاء
5.1 التهميش المؤسسي وظاهرة الشاعر المهمَّش
لا يُقرأ واقع اللغافي بمعزل عن ظاهرة أشمل تطبع المشهد الشعري العربي: ظاهرة الشاعر الكبير المهمَّش. وقد أشار الناقد عبد الحق الصولاحي إلى أن «لو نال محمد اللغافي ما يستحقه كمبدع لتوازت شهرته مع شهرة محمود درويش أو أمل دنقل أو نزار قباني، ولكنه ظلم ذوي القربى».
هذه المقارنة، بقدر ما فيها من مبالغة نقدية مشروعة، تكشف عن إدراك حقيقي لحجم الهوّة بين الجودة والانتشار في المشهد الشعري العربي. فالشهرة كثيرًا ما تبنيها عوامل خارج النص: المؤسسات، والتمويل، والانتماء الجغرافي للمراكز الكبرى، والتحالفات الثقافية.
وقد وعى اللغافي هذه الديناميات فأسّس مؤسسته الخاصة، وهو خيار ذكي لكنه مُضنٍ؛ إذ يعني أن يكون معًا الشاعر والمحرر والناشر والمسوّق والمنظّم الثقافي. وهذا التراكم الوظيفي يحتاج إلى طاقة هائلة قد تُستهلك أحيانًا على حساب النص الخالص.
5.2 الحداثة الشعرية المغربية والصوت المختلف
تتميّز تجربة اللغافي داخل سياق الحداثة الشعرية المغربية بعدة سمات تجعل منها صوتًا مختلفًا: أولها أنه ابن الهامش الاجتماعي، في حين أن كثيرًا من شعراء الحداثة المغربية جاؤوا من خلفيات جامعية ومدنية. وثانيها أنه جمع بين الشعر والنشر الثقافي والنضال السياسي في مسيرة واحدة متكاملة. وثالثها أنه اختار الاستمرار في بناء مشروعه الثقافي رغم التهميش المؤسسي.
لكنه في الوقت نفسه يُطرح سؤال حول التصنيف: هل ينتمي إلى جيل الثمانينيات - جيل الحداثة الشعرية المغربية- أم أنه يُشكّل ظاهرة مستقلة لا تندرج بسهولة تحت لافتة جيلية محددة؟ يبدو أن الإجابة الصحيحة هي الثانية: تجربة اللغافي تقاطع مع الحداثة دون أن تذوب فيها.
5.3 شاعر لا يشيخ: الاستمرارية والتجدد
ما يلفت النظر في مسيرة اللغافي هو الاستمرارية دون انقطاع. منذ أول نص إلى «اطمئني هذه الحرب لا تخصنا» (2026)، يُلاحظ الدارس خيطًا ناظمًا بين المرحلتين: نفس الحساسية تجاه الألم والحب والحرب والوطن، لكن مع نضج أسلوبي وعمق رؤية يكشفان عن شاعر لا يتوقف عن التعلم والنمو.
قصيدة «عذرًا.. أنا صفر» المنشورة إلكترونيًا تُجسّد هذا التجدد: الشاعر يطلق اعترافًا ساخرًا بأنه «صفر» ثم ينقلب على هذه الصفرية ويُعلن أنه «نبي شقيّ» يمشي بينهم ويُبدّد شعرًا فوق رؤوسهم. بين الصفر والنبوة يكمن العالم الشعري كله للغافي.
خاتمة: نحو قراءة منصفة للهامش المُبدع
تُفضي هذه القراءة في مسيرة محمد اللغافي إلى جملة من الخلاصات النقدية:
أولًا: التكوين العصامي ليس عائقًا أمام الشاعرية الكبيرة بل يمكن أن يكون رافدًا لها. فما يفتقده اللغافي من الصقل الأكاديمي يعوّضه بغنى التجربة الإنسانية وعمق الحساسية.
ثانيًا: الجمع بين الشعر والنشر والتنظيم الثقافي يُفصح عن مشروع متكامل الأبعاد، لا مجرد موهبة فردية. واللغافي في هذا يذكّرنا بتجارب شعراء-ناشرين كبار في تاريخ الأدب العالمي.
ثالثًا: حضور ثيمات الحرب والحب والغربة والمنفى الداخلي في منظومته الشعرية يجعل تجربته حوارًا منتظمًا مع أزمة الإنسان العربي في عصره، لا مجرد تعبير عن تجربة شخصية.
رابعًا: قراءة ديوانَيه معًا تُشير إلى شاعر في تحوّل مستمر: من التأسيس والبحث عن الذات في «أصابع ضائعة»، إلى الحضور الواثق المُتجذّر الذي يُعلن موقفًا حضاريًا في «اطمئني هذه الحرب لا تخصنا».
خامسًا: ما يبقى بعد القراءة هو صورة شاعر يمتلك شرط الشعر الكبير كما عبّر عنه دائمًا شعراء العالم: أن تكون لك رؤية للعالم، أن تمتلك لغة تختص بك وحدك، وأن تُمسك بالنص حتى في اللحظات التي يتخلى فيها العالم عنك.
كتب عبد الحق الصولاحي أن على القرّاء العرب تكريم اللغافي في حياته لا بعد مماته. وهذه الدراسة ليست إلا إسهامًا متواضعًا في ذلك التكريم الذي هو في أعمق صوره: القراءة الجادة، والنظر المُدقّق، والاعتراف بأن شعرًا يُقال من هذا العمق يستحق أن يُسمع.
المصادر والمراجع
أولا: المصادر الأولية (النصوص الشعرية)
- محمد اللغافي، (1997-2000)، أصابع ضائعة، منشورات جامعة المبدعين المغاربة، الدار البيضاء.
- محمد اللغافي، (2026)، اطمئني هذه الحرب لا تخصنا، الطبعة الأولى، منشورات جامعة المبدعين المغاربة، الدار البيضاء. (الإيداع القانوني: 2026MO2320، ردمك: 978-9920-445-55-9).
ثانيا: الدراسات والمقالات النقدية
- أحمد الشيخاوي (إعداد)، (د.ت)، شاعر عصامي يطلق لعنته: كتاب جماعي حول تجربة محمد اللغافي الشعرية.
- عبد الحق عبد الفتاح الصولاحي، (13 أغسطس 2022)، «محمد اللغافي: الشاعر الذي لا يشيخ»، منصة جوّك الثقافية.
- https://jawak.com/محمد-اللغافي-الشاعر-الذي-لا-يشيخ-27612
ثالثا: المقابلات والتقارير الصحفية
- فريد أزركي، (28 أكتوبر 2024)، «محمد اللغافي: سيرة شاعر بدأ شغفه من حي صفيحي إلى عالم الأدب»، موقع فبراير.كوم.
- https://febrayer.com/1077776.html
- تركية لوصيف، (1 فبراير 2025)، «مؤسس جامعة المبدعين المغاربة محمد اللغافي في ضيافة مجلة بصرياثا»، مجلة بصرياثا الثقافية الأدبية.
- https://basrayatha.com/?p=30819
- العمق المغربي، (6 فبراير 2020)، «جامعة المبدعين المغاربة تشكو إقصاءها من المعرض الدولي للكتاب».
- https://al3omk.com/498224.html
- جريدة الاتحاد، (2 فبراير 2026)، «عن منشورات جامعة المبدعين المغاربة: أحمد لخليفي يسكب "قطرات أمشاج" شعرية».
- https://alittihad.info/
- حسن يارتي، (24 ماي 2026)، «محمد اللغافي… شاعرٌ يضحك في وجه الحرب والخراب»، جريدة الاتحاد الاشتراكي.
- https://alittihad.info/
رابعا: المراجع العامة في الشعرية والنقد الأدبي
- أدونيس، (2009)، مقدمة للشعر العربي، الطبعة الثامنة، دار العودة، بيروت.
- محمد بنيس، (1991)، الشعر العربي الحديث: بنياته وإبدالاتها، الجزء الثالث، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء.
- عبد الله العروي، (1973)، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، دار الحقيقة، بيروت.
- مجلة برشلونة الأدبية، (1 نونبر 2025)، العدد 23، برشلونة، إسبانيا.
