مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

«لآلئ على بريق التجلي»: شعرية الكشف ودهشة الحضور.

تسلك الشاعرة أمنية كانوني في ديوانها الشعري «لآلئ على بريق التجلي» دروب القصيدة سائرة على حوافّ الروح وباحثة عن ضوء داخلي ينير جغرافيا الذات والوجود

قراءة في ديوان الشاعرة أمنية كانوني

*حسن يارتي

تسلك الشاعرة أمنية كانوني في ديوانها الشعري «لآلئ على بريق التجلي» دروب القصيدة سائرة على حوافّ الروح وباحثة عن ضوء داخلي ينير جغرافيا الذات والوجود ومحمّلة كل بيت شعريّ بقدر من البوح والتمرد والتأمّل.
منذ العنوان، تلمع القصائد كـ«لآلئ» تلتقط بريق التجلي، ليس باعتباره لحظة صوفية فحسب، وإنما كتجلٍّ جمالي تتقاطع فيه الرؤى الداخلية بالكون الخارجي. فالشاعرة لا تكتب عن الحياة وكفى، لكنها تُجسِّد الحياة شعرًا وتتوسّل القصيدة لتُعيد ترتيب العالم بلغتها
الخاصّة.

تتسم لغة الديوان بالتماسك والتكثيف حيث تحضر المفردة في موقعها بعناية، وتشتغل على مستوى الإيقاع الداخلي أكثر من الوزن التقليدي، لتمنح القارئ مساحة تأمل واستبطان. 
في قصيدة «هجرة»  (ص. 12) مثلًا، نلمس الأسى الممتزج بالإصرار على البقا، حيث تتحول الغربة من مكان إلى حالة وجودية ويبدو ذلك جليّا حين قالت:
ياويح نفسي! أما للدهر متَّسع  **  أما تَعود لنا الأيـــام نَكتَمـــــل؟ 
إن كان في الأرض متسع لنا فرجًا  ** فالله أرحم من ضاقوا ومن جَفَلوا.كما تعكس اللغة تأثرًا بالمعجم الصوفي والروحي وهو ما يتضح في كلمات كـ«التجلي»، «الفيض»، «النور»، و«السرّ». ومع ذلك، لا تقع الشاعرة في التقريرية بل تترك المعنى مشعًّا يتوهج بين السطور.

لا تخفي الشاعرة هويتها الأنثوية، بل تُعلنها بجرأة ونعومة معًا. في نصوص كـ«أنثى»، «فتنة» و«حرة أنا»، تحضر المرأة باعتبارها كائنًا فاعلًا، حالمًا، متمرّدًا، عاشقًا يتصدّى للخلان ويتشبّث بالحبّ ويمارس الكتابة كخلاص وجودي.
إنها امرأة لا تهمس بضعف ولا تصرخ بهيستيريا، بل تسكب ذاتها سكبًا بين السطور. هي ذاتٌ تقيم في الحرف وتؤثّث القصيدة بتفاصيلها الداخلية وجراحها الحميمة وكأن كل بيت شعريّ هو مرآة تُكاشف بها وجهها الغائر في الزمن والذاكرة.

في قصيدة «أنثى» (ص. 25)، تعلن الشاعرة عن أنوثتها بصوت ناضج ووعي راسخ لا يستجدي بل يُنير:
"أنثى أنا، لكن لدي كرامتي ** من وردة قد أينعت أو عوسج".
هذه الأنثى ليست صوتًا تابعيًّا بل مركزًا شعريًّا يتقاطع فيه الإدراك والإحساس، وهي إذ تعلن عن نفسها، فإنّها لا تتقوقع داخل «الجندر» كقيدٍ بل توظّفه كنافذة للخروج.

مثلا في قصيدة «هيام العزلة» (ص. 56)، لا تتناول الشاعرة أمنية كانوني العزلة كمجرّد ابتعاد مكاني أو انغلاق ظرفيّ، بل تُجسّدها كحالة نفسية ووجودية تُعيد تشكيل العلاقة بين الذات والآخر، بين الذاكرة والزمن. تقول:
"فالعزلة الحُلوة البيضاء ناصعةً ** تنسيك ما كان من غدرٍ كمن فشل".
هنا لا تكون العزلة مهربًا، ربما فضاءً للتطهّر من خيبات العالم، لحظة صفاء تُواجه فيها الذات ذاتها. وكأنّ الجسد في لحظة عزلة كهذه لا ينسحب من الخارج، بل يتقهقر إلى الداخل … حيث تنزف الذات من الفقد.
يمكن القول أنها «الأنا» بلا تفاخر، بل لتسليط الضوء على كتابة تنتمي إلى الذات الجماعية للنساء دون أن تنغلق على خطاب أحادي... إن صح المعنى.

أما الوطن، فهو يحضر كألم وحنين وتاريخ مشترك، فقصائد مثل «وطني» (ص. 53)، «مغربية الأندلس» (ص. 64)، «وطن العلا» (ص. 75)،  يتشكّل فيها الوطن ككائنٍ يتألم ويتكلم ويتذكر، تتماهى فيه الشاعرة كأنها تكتب من تحت تربته.
في قصيدة «وطني»، نقرأ:
"نمضي لعزّكَ، لا نَرضى لنا وَهَنًا ** حتىَ تسوَّد بين الكون مؤتَزرا
يا قبلةّ الحب أرض المجد، كم نَزَفت ** جرحا، فزادت على الأيام مزدَهرا".

هنا لا تتغنّى الشاعرة بوطنيّة استعراضية، بل تكتب الوطن بوصفه ضرورة وجودية، لا مجرد انتماء سطحي.
أما في قصيدة « وطن العلا »، فتقول:
"سالت دماء المجد في جنباته ** فتفتّحت زهراته وتجلّل ".
تستلهم الشاعرة في هذا النص الذاكرة الجمعية والموروث الحضاري، لتقدّم صورة للوطن المستحقّ للفخر، دون أن تنكر آلامه.
وفي قصيدة «مغربية الأندلس»، يتداخل الزمن بالمكان، والتاريخ بالهوية، فتكتب:
"وتلك والمغارب الأقصى محادثة ** لم تبق من شمس هذا المعتلى قرصا
إدريس أولها جد الأدارسة ** والداخل الصقر تاليها ولا وقصا".
هذه القصيدة على وجه الخصوص، تعيد ربط الحاضر بالماضي دون افتعال، وتؤكد على هوية مغربية تتجاوز الحدود الجغرافية، ممتدة في عمق التاريخ، ممتلئة بفخرٍ هادئ ومتين.
كما تتبدّى الغربة في نصوص مثل «حنين» و«هجرة» كاغتراب مكاني وحالة افتقاد للانتماء في عالم متشظٍّ. 

ما يلفت في الديوان هو تنوع القصائد شكلاً ومضمونًا. من القصيدة التأملية إلى القصيدة الحوارية إلى النص المفتوح على سؤال فلسفي أو وجداني. كما تنوّعت التيمات بين الحب، الفقد، الطفولة، الوطن، الدين، الذات، الزمن، بما يشير إلى انفتاح الشاعرة على التجربة الكونية من أوسع أبوابها.


لا أعتبر «لآلئ على بريق التجلي» لأمنية كانوني مجرد تجربة في نظم الشعر، أراه نضج يدلّ على وعي لغوي، وعمق روحي واستعداد هائل لصقل الصوت الخاص. وكانت قراءتي في هذا الديوان أشبه بسفرٍ في مرايا الذات ومحاولة للقبض على البريق الهارب من بين أصابع المعنى.
أوصي بقراءته رويدا، وبقلب منفتح، عملا بمبدأ أن الشعر الحقيقي لا يمرّ بك، بل يمرّ من خلالك.

*أديب، مترجم ومحرر مغربي

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x