مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

"لورماند" الآخر - ادريس الجرماطي

لم يكن الفيلسوف أرتور لورماند، ذاته الذي أتخيله كلما تمت مناقشة أفكاره وآراءه، صورته مخالفة بالمطلق عن خيالي ذلك، لم أكن استحضره في الحقيقة كذات معينة

 



لم يكن الفيلسوف أرتور لورماند، ذاته الذي أتخيله كلما تمت مناقشة أفكاره وآراءه، صورته مخالفة بالمطلق عن خيالي ذلك، لم أكن استحضره في الحقيقة كذات معينة، إنما أضع أفكاره وأناقشها على أساس أنها لأي كان، لم أكن أتصور أيضا أن لهذا الأي كان وضع اعتباري فلسفي تاريخي، يتطلب منا أن نوقفه أمام مرآة العقل، رغم أنه فضل أن يغيب باكرا، دون أن نحتكم فيه على الذات قبل العقل، هذا الذي لم أضع له على الأقل خيالا يشبه أفكاره، إنما حاولت أن أتجاوز الصور، كنت أركز على الفكرة كي لا تغيب عني، وسط ضحيح ما آلت إليه البشرية من تفاهة، والهروب عن الأفكار، اعتبارا من الآخر الذي يؤمن بعصر السرعة، رغم أن سرعته تسير وفق ضوابط ظلامية، تحطم فيها الإنسان كثيرا، ولم يجد لنفسه حلولا، وبقي يستغيث بالماضي الذي يراه أجمل من صور اليوم، وكأن ما يعيشه الآن، ليس إلا فشلا ذريعا، لا يقوى على تسجيله، خوفا من التاريخ الذي سيكون أسودا بكل مقاييس التفاهة والخواء نتيجة الاعتباطية والعبث المفترض، بفعل العولمة المشلولة والافتراض…
وسط دروب لا متناهية الأبعاد، أبهاء متلاحقة، وصور حائطية عالقة، تكاد تكون الحقيقة، صور تخرج منها الأيدي، تلامس الأجساد، أفواه تضحك في وجوه المارة هنالك، ممرات ضيقة غير واضحة، لا يمكن أن نتخيل شكلها، إلا في الحلم الذي يصنعه الحالم بتفاصيله، لم أكن أأبه لأي شيء في ذلك المكان، كنت أعرف أني كنت مرغما على التمسك بخيط دقيق يقودني إلى مكان آخر ما، الخيط يجرني إلى حيث لا أدري، توقفني أصوات الأطفال، يتحسرون، ينددون، يضربون، يحتمل أن نراهم يموتون، أصواتهم تحمل أنينا مرعبا، يبدو من خلاله أنهم يعذبون، في الضفة الأخرى ألواح خشبية مكسرة، وبعيدا يتراءى لي ظل أشخاص يوقدون النار، ويرمون بالقنينات الفارغة إعلانا عن بداية ليالي ماجنة….
لم أكن أبالي، بيدي الخيط الرفيع، يدفعني للترفع عن الأحداث البعيدة، لكني كنت أبكي أحوال الأطفال المعذبين، لأن أجسادهم قريبة من جسدي، صرت أسرق النظرة إليهم من حين لآخر، أحاول أن أرى من يضربهم، لا أرى شيئا، يمكن أن يكون ذلك حبالا وريدية لا ترى، هم لا يضربون أنفسهم، ولكنهم يحسون بأن الألم ينبع من أرواحهم المقهورة، ليس بالضرورة أن يكون الفاعل بعيدا، إنما قد يكون الأقرب فالأقرب، سمعت أحدهم يقول بأن أحد أقاربه من لحمه ودمه هو من يضربه، لا غرابة في ذلك، فالألم عادة يأتي من ذواتنا الأصل…
الخيط طويل يجرني من يدي، أمسك به جيدا لكي لا أتيه، بدوري لم أكن أعرف المصير، كنت أعرف أن الطريق طويل، ولا شيء غير آهات الأطفال تلاحقني كأنها تستجديني، لا حيلة لي لأني شبه مقيد بكثير من الخوف، والمتاهة تسير بي نحو المجهول، وعبر المتاهة عدة متاهات لا متناهية، أحسست وكأني في بلدة غريبة أجري بها وقت غروب غير مفهوم، في المتاهة الأخيرة، - كثيرة هي المتاهات، لم أكن أعدها - توقفت أخيرا كي أتنفس، بعدما صرت في استباق مع الخيط، وقفت كامل محتمل للاستراحة بعد كل ذلك العياء، أصوات الأطفال تذوب في السماء، ربما سقطت مرة أخرى داخل أجوافهم، رجعت إليهم غير مرجحة القرار، فلا ندوب ينفع، تقرر فيهم الصمت، فلا ملاذ غير استقبال بعض الجراح، نتيجة إصرار غير مكتمل…
لم أعد أسمع منهم شيئا، كنت أشم رائحة البحر، ورائحة النبيذ القادم عبر الهواء، في الشاطئ أحلام أخرى، هنالك في ذلك الشاطئ الممتد، تنتهي متاهتي، انسل الخيط من أناملي، وصرت اتابعه يفعل كما الأفعى وهي تسبر السماء، وغير بعيد وقع على الأرض منتشرا يسعى بين قدمي رجل يناهز الستين سنة، اتجهت إليه في عياء تام، حيث كنت أمشي إليه موليا إلي ظهره، وعندما وصلت إليه استدار، تجاعيد غير مكتملة، شعر أشعث على جنبات الرأس، نظرت إليه طويلا، قلت له من أنت يا رجل، فرد:
أنا لورماند أرتور، أهكذا كنت تتخيلني؟
لا يا سيدي، رأيتك تشبهني في خيالي، لم تكن بشكلك هذا، كنت مجرد أفكار أتداولها مع أصدقائي…
أعطاني الرجل مصورة قديمة، تعود إلى زمن بعيد، طلب مني أن ألتقط له صورة عفوية، وهو جالس على كرسي قديم، وعندما انتهيت من تصويره، إختفى الرجل من أمامي، تجولت بعيناي كل الأرجاء، لم أجد له أثرا، لحسن حظي أني قرأت شيئا عن النسبية، تأكد لي مفهوم المعلومة، ربما من خلالها يعود به الزمن الآن إلى آلاف السنين بعدا أو قبلا…
ما يربكني كثيرا، هو أن الرجل يحمل معه أسرار الأطفال، أخاف أن تكون حديث الناس في زمن آخر غير هذا، أو ربما في كوكب يعج بالماء، غير معترف بالحدود والإحداثيات…

 

- المغرب -

 

 

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x