مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

للمدن ذاكرة لا تخترقها أمواج الموت - منى بشناق

قبل عشرة أشهر، نشرتُ صورة للبحر خلال زيارتي لإحدى المدن المسروقة منّا ذات نكبة، وكتبت على الصورة المنشورة: "لو كان البحر جارٌ لنا تروق عنده الأفئدة،

 


 قبل عشرة أشهر، نشرتُ صورة للبحر خلال زيارتي لإحدى المدن المسروقة منّا ذات نكبة، وكتبت على الصورة المنشورة:
"لو كان البحر جارٌ لنا تروق عنده الأفئدة، نشكي له خيباتنا وشيء من أحلامنا البعيدة، نغرق في حبه هو بدلاً من حب لا ينفع"
حينها جائتني رسالة من صديقة تعيش في قطاع غزة، تحكي لي عن شكل الحياة في غزة التي لولا وجود البحر فيها لكانت مكئبة للغاية.
ثم خضنا حديثاً تبادلنا فيه أشكال الوجع، بدأ بوافر الحكايات التي لم تكتمل مع أصحابها حين قذفتهم مآسي الحرب بعيداً عن ديارهم، وصولاً إلى فيض الخسارات التي كان البحر دوماً خلفية ذكرياتها النابضة بالحب، حتى ابتلعتها نيران الحرب وتركتها رماداً في الذاكرة.
قالت لي: "البحر هو وطن صغير، وملاذنا الوحيد."
فامتعضت، وشعرتٌ بغبطة اخترقت قلبي، لماذا إذن تمنيتُ طويلاً أن يكون عندي بحر؟ أليس ذلك البحر هو ملكي أنا أيضاً؟ تماماً كما تتملك المدن شوارعها، وسكّانها، وجوامعها، وكنائسها. ونملك ذاكرتها التي كلما توقفت عند واحدة منها خرجت من بين تفاصيلها كومةٌ من المشاعر تذكّرك أن هذا الوطن، بكل أتراحه، وأفراحه، وأوجاعه، وآماله، وانتصاراته، هو ملك لك وحدك.
ثمة شعورٍ غير مفهوم راودني وانا اسمع قصتها، وهي تسردها بحسرةٍ لم تمنعها محدودية التواصل الافتراضي من اختراق قلبي بعاطفتها المشتعلة، وإدراك دمعتها خلف صورة الشاشة، وسماع دقات قلبها الراجفة وهي تحكي عن جدران بيتها التي كانت عامرة بالصور، في كل صورة قصة طويلة، وعن الكتب التي ظلّت تجمعها عمراً، ولعبة الطفولة التي لاتزال تحافظ عليها، قبل أن ترحل جميعها إلى الأبد، بقذيفة لا تأبَ بالذاكرة ولا القيمة، تسحق كل ما يمرّ عبرها مهما يكن.
قالت: "قبل أن يقصفوا البيت، هجّرونا للجنوب، كانت ستّي معنا، عمرها فوق الثمانين، تهجّرت قبل هالمرة مرتين، وظلّت تتنقل من مكان لمكان ومفتاح بيتها الأصلي لسا معها، ماتت عطريق الجنوب وهي تواسينا بكلمة وحدة، فكرّناها بتخرف طول السنين لحد ما نطقت بهالكلمة "رجعتنا مش رح تطول هالمرة" بس حسيت أنها بتقصد رجعة غير التي فهمناها نحن."
لطالما أحببت قراءة الوطن من أفواه أجداده، وذاكرة منكوبينه، أمثال جدّتها، الذين عاشت مفاتيحهم الصدئة عمراً كان أطول من أعمارهم.
وفي كل مرّة كنت أعود فيها إلى ذلك البحر، كنتُ أشعر بنفسي ضيفاً خفيفاً لا يسعه البقاء الطويل، إلى أن أدركت، أن هذا البحر بزُرقته اللامعة، وأصدافه، وسمكه، وشواطئه هو لنا منذ الأزل، حتى وإن كنتَ مجبراً على تبرأةِ نفسك عند كل حاجز او نقطة تفتيش وأنت في طريقك نحوه، لتظفر بنجاةٍ تمنحك فرصة إضافية لاكتشاف المزيد من الحقائق في عالم لا يعترف بوطنك، وينبذه من الإنسانية، فتدرك أن أشد الحقائق صدقاً هي الكذبة التي برروا بها شتاتنا، وأباحوا بها موتنا.
وجعلتنا شعبٌ شهِد على كل أشكال الموت، ومرارة الألم، وحسرة الفراق.
ظلّ يجاهد ويقاوم لاسترداد وطنه المسروق، وبحره الحزين، الذي كان بالنسبة له الأب الذي فُقد، والولد الذي ابتعد، والبيت الذي هُدم.
ولم يتبقى له إلا ذاكرة عنيدة، تشي حال وطنٍ أنهكه توالي النكبات.
وطن.. وجد فيه الغريب، تاريخاً.
واتخذ منه العدو، موطناً.
وخلّد فيه الشعب، أملاً.. علّه يجد به عزاءه الطويل، او ببساطة.. يعلن نصره المرتقب، ذات يوم قريب. 

 

- فلسطين -

 

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x