مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

يوميات معلم في الفرعية - بوجمعة بنطويهر

عمي احميدة مول لحمارة بيضة، قروي بسيط كنت أدرس ابنه بإحدى الفرعيات بجبال صاكة، كان شديد الحرص قليل الثقة، خصوصا المنتخبون والمخزن، كان يقول : المخزن

 



عمي احميدة مول لحمارة بيضة، قروي بسيط كنت أدرس ابنه بإحدى الفرعيات بجبال صاكة، كان شديد الحرص قليل الثقة، خصوصا المنتخبون والمخزن، كان يقول : المخزن بحال العافية، لكنه كان كريما مضيافا، بيته قبلة للزوار وعابري السبيل، وكان مدواما على دعوتنا إلى وجبة العشاء كل يوم أربعاء ، ولا تمر وليمة او مناسبة في بيته إلا وكنا أول المدعوين.
ذات عشاء كنا نتسامر ونستمتع باحتساء أكواب الشاي المنعنع الذي كان يفضل أن يعده بنفسه. ونصغي باهتمام لحكاياته وطرائفه مع المخزن واللصوص في المدينة، ومغامراته في جبال الريف لصيد الأرانب البرية، وإعداد الحطب وتهريبه لبيعه في السوق، ومطاردات بوغابة له (حارس الغابة)، وخلال حديثه عن ظروف الحياة الصعبة في الريف، يبدي أسفه على عمره الذي أهدر، وتصدر منه زفرة تلخص معاناته، ثم يستأنف متحسرا لأنه أهدر فرصا كثيرا، لم يلج المدرسة ولَم يهاجر الى الديار الأوربية ، ومن لذيذ أحاديثه حديثه عن المدرسة ومعاناة التلاميذ، وعن جدوى هذا التعليم مادام الأطفال يغادرون المدرسة كما دخلوها أول مرة. ثم أفصح عن فكرة عبقرية عفوية لكنها تحمل أبعادا نظرية ودلالات عميقة، فالمدرسون في نظره مجرد مروجين لتعاليم المخزن، ووسطاء يقومون بالدعايةوالإشهار؛ من خلال إجبار المتعلمين على شراء كتب معينة ودفاتر وأقلام وووو...كلامُ خلق جوا من الفكاهة والمرح في حينه، لكنه ظل يرن في أذني، ويتناسل في ذهني أسئلة مستفزة،ذكرتني بأفكار "إفان إليتش" و " ميشيل فوكو "حول العنف الرمزي وإعادة إنتاج العلاقات السائدة، و مجتمع بلا مدرسة.




- المغرب - 
 
 
 
قراءة برشلونة الأدبية: 
 

النص "يوميات معلم في الفرعية" للكاتب بوجمعة بنطويهر يقدم صورة حية للحياة في منطقة ريفية بالمغرب، من خلال عيون معلم يدرس في إحدى الفرعيات بجبال صاكة. النص يعبر عن تفاعل المعلم مع أهالي المنطقة، ويركز بشكل خاص على شخصية "عمي احميدة مول لحمارة بيضة"، الذي يمثل نموذجًا للقروي البسيط الذي يحمل حكمة عميقة وتجارب حياة غنية.

اللغة والأسلوب:

الكاتب يستخدم لغة بسيطة وعفوية، تعكس البيئة الريفية وأسلوب الحديث اليومي لأهالي المنطقة. هذه اللغة تعزز من واقعية النص وتجعله قريبًا من القارئ، خاصة من لديه خلفية أو معرفة بالمجتمعات الريفية. الأسلوب السردي يتسم بالحميمية والدفء، حيث ينجح الكاتب في خلق جو من الألفة والاندماج مع شخصياته.

  • السرد والتشويق: السرد يتميز بالبساطة والانسيابية، حيث يروي الكاتب الأحداث بطريقة تسلسلية وسهلة المتابعة. استخدام الحوارات والأحداث اليومية الصغيرة يضيف عمقًا إلى الشخصيات ويجعلها أكثر حيوية وواقعية. النص يجمع بين الوصف التفصيلي للأحداث والمواقف وبين التأملات الفلسفية التي تثيرها هذه المواقف.

الشخصيات:

  • عمي احميدة مول لحمارة بيضة: يمثل الشخصية المحورية في النص، ويعكس صورة القروي المغربي الذي يعيش حياة بسيطة، مليئة بالتحديات. عمي احميدة يحمل في طياته حكمة الحياة وتجاربها، ويعبر عن آرائه وأفكاره بطريقة تلقائية وصادقة. تعبيراته وآراؤه تعكس فهمًا عميقًا للواقع الاجتماعي والسياسي المحيط به.

  • المعلم: يمثل صوت الراوي الذي ينقل لنا تجربة الحياة في الريف من منظور شخص متعلم. تعكس ملاحظاته وتفاعلاته مع الشخصيات الأخرى اهتمامه الحقيقي بفهم وتحليل الواقع الريفي بكل تعقيداته.

الرموز والدلالات:

  • لحمارة بيضة: الحمار الأبيض يمكن أن يرمز إلى البساطة والجد في الحياة الريفية، كما يعكس أيضًا التحديات والصعوبات التي يواجهها القرويون في حياتهم اليومية.

  • المخزن: المخزن هنا يمثل السلطة والحكومة، وهو مفهوم يثير الخوف والحذر لدى القرويين. يشير عمي احميدة إلى المخزن على أنه "بحال العافية"، مما يعكس التوتر والشكوك التي يحملها الناس تجاه السلطات.

الموضوعات والمضامين:

النص يتناول عدة موضوعات رئيسية، تتشابك مع بعضها البعض لتعكس صورة متكاملة عن الحياة الريفية والتحديات التي تواجهها.

  • الحياة الريفية وصعوباتها: يقدم النص وصفًا دقيقًا للصعوبات والتحديات التي يواجهها القرويون في حياتهم اليومية، من صيد الأرانب البرية إلى تهريب الحطب وبيعه في السوق. هذه التفاصيل تعكس الحياة الشاقة والتضحية التي تتطلبها الحياة في الريف.

  • التعليم وجدواه: يعبر عمي احميدة عن شكوكه حول جدوى التعليم، متسائلًا عن الفائدة من إرسال الأطفال إلى المدرسة إذا كانوا يغادرونها دون اكتساب معرفة حقيقية. هذه الفكرة تثير تساؤلات عميقة حول نظام التعليم وأهدافه، ومدى تأثيره الحقيقي على حياة الأفراد.

  • النقد الاجتماعي والسياسي: النقد الموجه للمخزن يعكس شعورًا بالاغتراب وعدم الثقة في السلطات. كما يعبر النص عن رؤية نقدية لدور المعلمين والنظام التعليمي ككل، مشيرًا إلى أنهم قد يكونون مجرد أدوات لنشر وتعزيز القيم والتعاليم التي تخدم السلطة.

البنية والتنظيم:

النص منظم بطريقة تسلسلية تسهل متابعة الأحداث وفهم السياق العام. يبدأ النص بتقديم عمي احميدة ووصف حياته اليومية، ثم ينتقل إلى الحوارات والنقاشات التي تكشف عن آرائه وأفكاره. هذا التنظيم يعزز من تأثير النص ويجعل القارئ يشعر بأنه جزء من التجربة.

المشاعر والعواطف:

الكاتب ينجح في نقل مشاعر وعواطف الشخصيات بشكل واقعي وعميق. من خلال وصف التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية والحوارات الصادقة، يمكن للقارئ أن يشعر بتعاطف مع الشخصيات وفهم معاناتهم وآمالهم. النص يعبر عن مشاعر الحنين والحزن على الفرص الضائعة، وكذلك الفخر والاعتزاز بالحياة البسيطة والقيم التقليدية.

النقد الاجتماعي والفلسفي:

النص يحمل في طياته نقدًا اجتماعيًا وفلسفيًا عميقًا. من خلال وصف حياة عمي احميدة وأفكاره حول التعليم والمخزن، يعبر الكاتب عن رؤية نقدية للواقع الاجتماعي والسياسي. هذه الرؤية تتقاطع مع أفكار مفكرين مثل إفان إليتش وميشيل فوكو حول العنف الرمزي وإعادة إنتاج العلاقات السائدة في المجتمع.

الخاتمة:

في الختام، يمكن القول إن نص "ويوميات معلم في الفرعية" للكاتب بوجمعة بنطويهر هو نص غني بالرمزية والشاعرية، يعكس تجربة إنسانية عميقة تتعلق بالحياة الريفية والتحديات التي تواجهها. استخدام الكاتب للغة البسيطة والحوار العفوي يعزز من واقعية النص ويجعل الشخصيات حية ومؤثرة. النص ليس مجرد وصف لحياة القرويين، بل هو تأمل عميق في القيم التقليدية والنظام التعليمي والنقد الاجتماعي، مما يجعله نصًا ثريًا يستحق القراءة والتأمل.



حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x