سأكون معك عندما دفنت نفسي حيا وسأرقد عندما أدفن بجوارك ميتا. كلمات قالها محمد بعد عودته من المقبرة وحيدا بعدما دفن أثمن شيء يملكه، إنها ذاته التي اشترك الجميع بقتلها ونسوا أمراض قلبهم التي كان يداويها، باب بيته المفتوح دائما شاهد على جريمة العصر التي ارتكبت بحق محمد والقاتل حر طليق ولا يوجد قانون يحاسبه فالقاتل قتل نفسه قبل فعلته بالرغم من أنها جريمة لم تقم الأيدي بها فالقاتل هو اللسان الذي لم يعد يقرأ ولم يكتف بفعلته بل هاجم وقتل البريء لأنه حاول مداوتهم، عاد وحيدا منكسرا ينظر إلى صومعته الأدبية التي لطالما كان زاهدا بها لا يؤنسه بوحشته إلا بنات أفكاره التي وأدها لتوه مفضلا الموت لها على تسول مسامع أناس هذا الزمن، هؤلاء الذين لا يدركون قيمة الكلمة ولم يعد لهم بال بها، دخل وغلّق الباب وراءه واتجه نحو الموقد الطيني ووضع به حزمة من الحطب ثم أشعلها وجلس بالقرب منها عائدا بالذاكرة إلى الوراء، هل كان على حق بالذي فعله أم أن القتلة لم يقتلوا كلماته طوعا فهم أيضا قد حاق عليهم الزمن بل خنقوا بمشنقة الجوع والظلم الذي مورس عليهم فأي عاقل يفضل قراءة كلمات وإن كانت غذاء للقلب والروح على السعي وراء لقمة العيش الهاربة منهم، أو لنقل المسلوبة منهم فهو عين الصواب، أي أب سيسكت بطون أولاده بكتاب أو قصة، أي أرملة ستلبس بناتها حكمة إن هاجم البرد تلك الأجساد الرقيقة. رسم محمد بشفتيه ابتسامة ممتزجة بالحزن والفرح باليأس والأمل بالشيء واللا شيء فالأمر متجذر والخطب جلل لا يمكن البراء منه إلا بالعودة إلى الكتاب، هو يعرف جيدا هذا الأمر ولكن ظلّام العصر يعرفون معنى أن تكون قارئ متعلم فتقف بوجههم تطالب بحقك منهم فما كان منهم إلا أن أجاعوا الشعوب وسرقوا خيراتها حتى لا يتسنى لهم إلا الركض وراء لقمة العيش، تلك اللقمة التي تحيي البدن وتميت القلب، وقف محمد حائرا من أمره فانقسمت ذاته إلى قسمين : قسم مدافع عن مجتمعه الذي أضناه الجوع والقهر وقسم لا يبرر لهم سوء فعلتهم فكثير من الأمم والشعوب التي أنهكت من الحروب والويلات هم الآن بقمة العلم والرقي فهل كان الجوع سبب تركهم الكتاب والعلم العرب أيام مجدهم العلمي هل كانوا في رخاء دائم؟ لا ولكن الواقع يقول عكس هذا والحقيقة أن الجوع والقلة لا يمكن لهما الوقوف بوجه شعب أراد العلم.... لحظات مرت على محمد من الصمت والسكينة حتى أخذه النوم بعيدا إلى عالم يجد به حق كلماته التي وأدها مجتمعه حية وجعلها أرواحا هائمة على أجساد تسير لعلها تجد سكناً.......
- سوريا -

