هذا الصباح ليس ككل الصباحات..استيقظ الرجل ودخل الحمام كالمعتاد ، لكنه أصر أن يقف أمام المرآة ليتأمل هذا الكائن الواقف أمامه . نظر مليا إلى وجهه ثم تفحص عن قرب باقي الملامح: الجبهة ، الوجنتان ، العينان ، العنق .. التجاعيد خلال السنوات الأخيرة بدأت تغزو المكان وهناك آثار للكبر.. أحس برغبة في البكاء . شعره أصبح يشيب يوما بعد يوم وقريبا سيصير رماديا ثم أبيض كالقطن . " لا زلت شابا يا رجل ! " قال له أحد الأصدقاء القدامى مساء أمس وهو يعانقه . انتابه إحساس جميل في تلك اللحظة لأنه انتبه إلى شعره الأبيض ولم ينتبه إلى شئ آخر . أتراه كان ينظر الى نفسه من خلاله أم كان فقط يجامله؟!!..مؤخرا بدأت تتقاطر عليه فيديوهات تتحدث عن التقاعد في بلاد الكفر وعن أمراض الشيخوخة وكيفية الوقاية منها وأخرى عن أيام الزمن الجميل ..لم ينس أبدا ما فعلت به أغنية شارل أزنفور " أين هي الآن سنوات العشرين " وهو يستلم لتوه شهادة التشطيب عليه من سلك الوظيفة العمومية . لقد بكى كطفل صغير وربما كان قد تعلل قبلها بإصابته بزكام حاد حتى لا يحضر حفل التكريم الذي أقيم على شرفه رفقة آخرين..
" ماذا فعلت بصحتي أيها الزمن الغادر ؟...أكانت جادة إحدى بناتي وهي تقول ذات يوم : قد انتهت مدة صلاحيتك يا أبي أم تراها كانت تمزح معي وأنا الذي سكنني الجد إلى أقصى الحدود! " - صاح في وجه الرجل الماثل أمامه -. الآخر فضل ألا يرد عليه وتركه يفجر عما بدواخله، فهو لم يسبق أن أحرجه في شئ وبالتالي فلا داعي للقلق . شدة وستزول.. عاد يتفحص من جديد ، يتأمل بعمق. أحس بأنه انتهى وأن قواه قد خرت إلى الأبد . نظرته غدت تائهة ومتعبة. ماذا حل به يا ترى؟ أمس كان في منتهى السعادة وهو يحدث صاحبه عن شغفه بالقراءة ومغامرته مع الكتابة في هذه الفترة الدقيقة من حياته ، حلم راوده مذ كان شابا يافعا لتؤجله الوظيفة ومسؤوليات الحياة. أول مرة لم يتعرف على نفسه في المرآة . أمر غريب حقا ! أتكون المرآة هذا الصباح هي السبب في كل ما يحصل له؟! أشياء كثيرة تأتينا من الصين ومنها هذه المرآة اللعينة . تعكس الصورة على طريقتها لا كما تريدها أنت .. الواقف أمامه فضل الصمت ، فضل الحكمة ، فضل أن لا تقع عيناه في عيني محاوره في مثل هذه المواقف . في نهاية المطاف يجب التخلص من هذه المرآة . رفيقة حياته عبرت هي الأخرى ذات يوم عن امتعاضها من هذه المرآة لكن لا أحد انتبهه لذلك . نظر الرجل إليها بعيون انتقامية لكن الآخر رد عليه بنظرة ملؤها الشفقة والحسرة أعادته إلى توازنه ..
لكن ، بما أن التجاعيد آتية لا ريب فيها والشيب يدق على بابه في كل وقت وحين وقواه تضعف يوما بعد يوم ، فلم كل هذا القلق ما دام الجميع سيكون لهم نفس المصير ؟ أصبح يقول مع نفسه:" كيف يريد أن يعود الى سنواته العشرين وهو الذي لم يكن ينعم بما ينعم به اليوم!؟ رفيقة حياة مخلصة وصبورة تحملت حماقاته في صمت ، بنات بفضلهن سيدخل الجنة ، أحفاد يملؤون عليه حياته ورغم صغرهم يطرحون عليه أسئلة ثم بعد ذلك يقولون إن الجد يكثر من الشرح ، أصدقاء طيبون ورائعون يترقبون بشغف كبير ما يكتب على صفحته بالفيسبوك ، تجارب كثيرة ومفيدة وعلم ومعرفة وضعها الله وما زال خلف تلك التجاعيد . هل يستبدل كل هذا فقط من أجل ألا تظهر تجاعيد وشيب أبيض ؟!
هذه المرآة البئيسة يجب أن تذهب إلى الجحيم ومنذ اللحظة لا مكان لها في هذا البيت . يجب أن تستبدل بأخرى تعكس الحقيقة كما يريدها هو ، لا كما تريدها المرآة ...
- المغرب -

