"مرايا الاختلاف: رؤى متعددة في عالم الجنون والعقل" - إدريس الجرماطي

العالم مليء بالمجانين، الاحتمال الكبير هو أن لكل مجنون عالم خاص به، يرى فيه ما لا يرى، ويسمع كل شيء حيث لا أحد يسمع، لكن الاحتمال الغريب أن لكل مجنون


 العالم مليء بالمجانين، الاحتمال الكبير هو أن لكل مجنون عالم خاص به، يرى فيه ما لا يرى، ويسمع كل شيء حيث لا أحد يسمع، لكن الاحتمال الغريب أن لكل مجنون مرآة يرى فيها وجهه المختلف عن واقعه، تسوقه رؤيته تلك إلى عالم الاختلاف فيه، وبلا هوادة تنطلق به الأهواء، وتصنع منه مجاري الرياح فوضاها، ومن خلالها يعيش العالم كما يراه في مرآته التي لا تشبهها أية مرآة…
والعالم في هذه الحالة متعدد ومتنوع بتنوع المرايا المختلفة لكل مجنون على حدى، تتساقط المرايا، تحمل معها رسائل كونية توجيهية، تخلق في الوجه المترآى أسئلته المحيرة، وتطلق للذات فيها عنان البحث عن نفسها، ليكون الوجود فيها بحثا عن الأجوبة لتلك الأسئلة المحيرة، يظل المجنون ساهيا في رؤى أخرى مختلفة تماما عن أفكاره، دون أن تكون له الرغبة في إيجاد الحلول والأجوبة لتساؤلات المرايا، عكس البشر العادي، والعادة هنا نسبية، لأن الجنون صفة تشمل كل البشر، ولكل مرآة، مرآة العادي فيها يكتشف ملامحه المخادعة، وتؤمن بشكله، ويقوى على التعايش مع وضعه، رغم أن المرايا في أصلها مجرد انعكاس مخادع…
لا يفهم لغة المرآة إلا المجانين، فهم يفهمون مواضيعها، ولا ينخدعون بالبحث عن كشف الانعكاس، إنما يهربون إلى وقائع لاستنطاق السؤال المرآتي، مؤمنين بأن الأشكال طمس للحقائق والرؤى…
على شاكلة المطر تتساقط المرايا تباعا، كل قطرة مرآتية تلتحق بشخصها التوأم الأرضي، تمنحه صورته، وتبتعد منه بخطى نفسية دقيقة الحس لتبصر قدرته على استيعاب نفسه، يتسلق الانعكاس روحه، ويستبشر قوته إن كانت راضية، ثم يطعمها من الأمل صورا وتعابير، يتعلم منها قوة الرد، ليبارز بها وضعه، ليكون منافسا لأهوائه، إذاك يسقط أو ينجح حسب تعامله مع نفسه أولا، ثم مع غيره ثانيا…
أما إن كانت قوته غير راضية الحال، فإن ألياف المرايا تهوى عليه لتمزق أسراره، ويصبح حينها كما الفرخ اليتيم، ينتظر من يسقط عشه، لأن السقوط أحيانا، أحسن من التعلق دون جدوى، وخاصة إن كان المكان متاهة، كما يعيشها أيتام الأرض…

لا يمكن أن أتخيل عالما به أفراد بنفس الرؤى، فالرؤى المتشابهة توقف كل موضوع يستدعي التدبر والتفكر، فاختلافنا - الذي لا ينبغي أن يكون سلبيا- إنما هو تقدير وقوة من خلالها تتلاقح النظريات والاستشراف على معرفة موضوع الظاهرة في الإنسان ومعالجة الترسبات بانتقاء تنوعي، لو أسقطنا هذا التناظر فكريا على المرايا، يعني أن تعطينا رؤى موحدة بين جميع الأفراد، إذاك لن تستسيغ كيف نواجه الخروج من أنفسنا لصناعة العقل، ذلك الذي ينبغي أن يكون مختلفا من فرد إلى فرد، تفاديا لكسر مرايانا الداخلة كموضوع نفسي كامل…
فالعالم لن يستطيع السيرورة من دون الاختلاف، لا يمكن لأمواج البحر أن تنقل لنا نفائسها من المادية إلى المعنوية، وتنتقل بنا عبر عوالمها من دون تلك الحركة الفنية المختلفة من ماء إلى ماء، فكل المياه تسقي الأرواح، لكن منها الموجعة للنفوس، لذلك فتنوعها واختلافها عظمة صنعها الاختلاف فيها…
لكل مرآة في عوالم الاختلاف البشري، تشكيل بديع يتناسق مع الاهتزازات النفسية لكل ذات، حسب تواجدها المكاني والزمني، إذا ترمز فيه إلى شخصية معينة تطمح فيه إلى تطعيم المواقف، وتغرس فيه الرؤى والنظري وفق سلوكيات المعيشية للأفراد، كل بعالمه وأفكاره، ويقع فيها الإسقاط بشكل مطابق، لكنه يكون مختلفا مع النظرة الأولية لتلك المباشرة العينية للذات، لأن المرآة هنا، تعبر بابا من أبواب التصحيح، ترقى بالشخصية في أبهى التمثلات، فنيا وإبداعيا، وتسمو فيه المرآة إلى الموضوع الكامل، مما يعطي الذات أبعاد نفسية تليق بتطلعات الأفراد كل على حدى…
على عكس الواقع المفضي إلى استسلام الذات، بل وقابليتها بأن تكون بعيدة عن الاكتمال الموضوعي في الوجود، والركون في عالم الاعتياد، والانسياق مع الاجواء، والعيش فلسفيا في رتابة القوى الفكرية، يبقى الجنون عالم من عوالم التفرد، والاستيقاء من منابع الترفع عن صناعة الإنسان، كونه آلة تجتر الموروث، وتعيش على نمطية بناء الأشكال المماثلة، والتي لا تعطي في شخص ذاتها أي بعد فكري فلسفي، إذ يعيش المجنون على وقع المرايا المتعددة نفسيا، مما يكسبه قوة التعالي والتجول نفسيا في كل بقاع المعنى، كأعلى درجة من التفكير الروحي، إذ أن المرآة، لا تعني الانعكاس، إنما يعني تماثل السلوك، وتجريد الذات عن العادة والاعتياد، بذلك تستطيع الأفكار سبر الأغوار في الأرواح، بنبوغ فكري يهيم بالذات المجنونة في عالم غير العالم الصطنع المجروح، والمنهك من بشاعة البشرية المغلوطة المفاهيم…
المجنون لا يرى في مرآته الواقع المفضوح، بل انعكاسه يعطيه واقعا مختلفا، يراهن فيه على اللا مبالاة التي يعيشها دون تأثيره من معضلة الحال، كيفما تكون العواصف التي تلتحف الوجود، فالمجنون سيد أفكاره، يخالج الكون عبر أبوابه المشرعة على الغياب، والمفتوحة على تكسير جميع الجغرافيات المؤثرة، باعتبار الاحداثيات أكاذيب ومنهجيات لتخليق الإطار للإنسان، فتظل بذلك القيود متصلة بالروح، وتلك أسوأ حالات العيش…
تظل المرايا انكسار روحي، يبث فينا حقائقه، ويتقصى من خلاله أبعادنا الروحية، وينقلنا فلسفيا إلى تخليق بوصلة نظنها المثل لأجسانا، دون الغوص في المواطن، لكن المجنون بخلاف الحال في اوضاع من يدعون القوة النسبية، فهو من يقوى على التخلص من جميع الترسبات القابعة على الوجدان والدواخل النفسية…


- الولايات المتحدة الأمريكية -

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x