نواح الحاضرات يكسر هدوء البيت الكبير، وحشد من النساء لا سابق لي بمعرفته ، أحاول تفحص كل الوجوه ، لعلي أجد وجها مألوفا ، أو مغامرة مندسة بين الوجوه ، لكن دون جدوى ...
كنت محقا يا أبي ذات يوم عندما قلت لي أن الأشياء تعرف بأضدادها ، لم أكن لأعرف نعمة الحياة لولا تجربة الموت هاته !
كان الحاضرون يستغربون هذا الموت الفجائي وهم يجهلون لون الموت ورائحته وتهجية حروفه ، ينسجون أقاويل كثيرة و تأويلات مختلفة ...
ـ لم يكن المسكين مريضا .
ـ يقولون أن موته كان نتيجة ذبحة صدرية !
ـ أنا أعرف احدى قريباته التي أسرّت لي بأنه كان مصابا بمرض مزمن أخفاه حتى عن أقرب المقربين ...
هذا حالنا ونحن ... يموت الانسان وتنسج حوله ألف حكاية وحكاية .
مستمتع ـ أناـ بما يدور حول عالمي الجنائزي هذا ، ومتوهم من يعتقد موتي ، تبا للبعض من الناس يبحثون عن السبب والمسبب ، وعندما لا يجدونه يتفننون في صنعه !
وصل الطبيب الشرعي : دخل البيت الذي أنا ممدد بداخله ، سكت الجميع، الكل كان في حالة انتظار، خيل إلي لحظتها ـ وأنا المغلوب على أمري ـ أن كل من كانوا بالخارج ينتظرون خروج سروال ليلة الدخلة ، ليشهدوا على فحولتي وعلى عذرية رفيقتي ، عذرا على هذا التشبيه الخارج عن إرادتي !
بدأ الطبيب في القيام بعمله الروتيني ، يدور حولي ، يضغط بيده في مناطق متفرقة من جسدي ليفعل بي ما يشاء ، فماذا عساني أنا فاعل ؟ هو يعتبرني جثة لا حياة فيها ، وأنا أعتبره ميتا مع وقف التنفيذ .
نظر الي مليا ، تفحصني من رأسي حتى قدماي ، تمتم في خاطره :
ـ لا يظهر عليه أي أثر للموت ، جسم رياضي ، ورشاقة يحسد عليها هذا ...
لمس باطن قدمي ، هذه منطقة حساسة في جسدي ، تجعلني أصاب برعشة شبيهة بمن وقع تحت تأثير صعقة كهربائية ، بقيت صامدا . ربما بفعلته هاته أراد أن يختبر موتي!
هاتف مفاجئ قطع حبل تفكيره ، كان يرد بدعابة مستفزة لا علاقة لها بالموقف الذي هو فيه ربما قلبه قُدَّ من حجر !
من جديد ، تبدأ عملية الفحص لعله يجد ما يدونه في تقريره ، أخيرا وبعد طول انتظار سلم للأسرة المكلومة تصريحا بالدفن ...
من حين لآخر يتدخل بعض فاعلي الخير لطرح نصائح وأحاديث تقال في هذا المقام ، يسرعون في التحضير لمراسيم الدفن ، فقيه حارتنا يطالب الجميع بالإسراع مستدلا بحديث طالما ردده على مسامعنا : إكرام الميت دفنه !
وصل الغسال أخيرا دخل البيت الكبير ، بسمل وحوقل ، ثم تفحصني هو الآخر ، وأنا الممدد على لوح خشبي لا أستطيع أن أرفع عن نفسي ضرا ولا أن أجلب لها نفعا . قرأ آيات من الذكر الحكيم ، حمل سطل ماء ، سكب بعضا منه ، أفقت مذعورا بعدما لمس الماء جسدي عبر سقف بيتي المهترئ ، وأنا أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ـ في سري وعلانيتي ـ أن يرفع عني هذا الكابوس الذي صار يتكرر كلما غفوت ولو للحظات...
- المغرب -
قراءة برشلونة الأدبية:
في سردية "خير وسلام"، يأخذنا الكاتب محمد نشوان في رحلة تأملية عبر عالم الموت والوجود. السردية تعتمد بشكل كبير على التأمل في الموت كحالة وجودية، وتوظيفها لتسليط الضوء على قيمة الحياة ومعانيها المتعددة. يتناول نشوان في نصه مفاهيم فلسفية وإنسانية عميقة من خلال سرد يبدو بسيطًا، لكنه يحمل في طياته دلالات ومعانٍ عميقة.
تحليل الشخصيات والمواقف
الشخصية الرئيسية في النص هي الراوي نفسه، الذي يعيش تجربة الموت من منظور جديد. نجد الراوي متفاعلًا مع محيطه بشكل مغاير، فهو يرى ويسمع كل ما يدور حوله وكأنه حي، رغم أنه جثة ممددة على لوح خشبي. هذا التناقض بين الحياة والموت هو ما يثير الدهشة ويدفع القارئ للتفكير في طبيعة الحياة والموت.
الموت هنا ليس نهاية، بل حالة انتظار مستمرة. يصف الراوي نفسه بأنه "دائمًا في حالة انتظار، حيًا أو ميتًا"، مما يعكس فكرة الترقب المستمر الذي يعيشه الإنسان في حياته، والقلق الذي يرافقه حتى بعد الموت.
الرموز والدلالات
يستخدم نشوان الرموز بكثرة في نصه. الموت هو الرمز الأكبر، الذي لا يُرى فقط كحالة نهائية، بل كمرآة تعكس الحياة بألوانها المختلفة. يبرز النص كيف أن الأشخاص حول الراوي يحاولون تفسير موته بطرق مختلفة، كلٌ من منظوره الخاص. "لم يكن المسكين مريضًا"، "موته كان نتيجة ذبحة صدرية"، "كان مصابًا بمرض مزمن". هذه التفسيرات المتعددة تشير إلى تعددية الرؤى الإنسانية وتباينها في فهم الحقيقة.
الطبيب الشرعي يمثل السلطة العلمية، لكنه يظهر أيضًا عاجزًا عن فهم الحياة الحقيقية للراوي، فهو ينظر إلى الجسد كموضوع للدراسة، وليس ككيان حي عاش تجربة حياتية فريدة. هذا التباين يبرز حدود العلم في فهم التجربة الإنسانية بالكامل.
اللغة والأسلوب
اللغة التي يستخدمها محمد نشوان في سرديته غنية بالتشبيهات والاستعارات. على سبيل المثال، يشبه الراوي انتظار الحاضرين لخروج الطبيب الشرعي بانتظار "سروال ليلة الدخلة"، وهو تشبيه جريء يعكس التوتر والانتظار الذي يشعر به الناس في تلك اللحظة. هذا الأسلوب يجعل النص أكثر حيوية ويضيف له بعدًا إنسانيًا حقيقيًا.
الكاتب يستخدم لغة بسيطة وسلسة، لكن معانيها تتعمق كلما تعمق القارئ في النص. هذا التباين بين البساطة الظاهرية والتعقيد الداخلي يعكس بشكل رائع طبيعة الحياة نفسها، التي تبدو أحيانًا بسيطة لكنها تحمل في طياتها تعقيدات لا تنتهي.
الثيمات الرئيسة
تدور السردية حول عدة ثيمات رئيسية:
- الانتظار: حالة الانتظار المستمرة، سواء في الحياة أو الموت، تعكس قلق الإنسان وتوتره من المجهول.
- التفسيرات المتعددة: تعدد تفسيرات الموت يعكس تعددية الرؤى الإنسانية وتباينها في فهم الحقيقة.
- حدود العلم: عجز الطبيب الشرعي عن فهم الحياة الحقيقية للراوي يبرز حدود العلم في استيعاب التجربة الإنسانية بالكامل.
- الحياة والموت كحالتين متداخلتين: السردية تدمج بين الحياة والموت كحالتين غير منفصلتين، مما يثير تساؤلات فلسفية عميقة حول الوجود.
التناول الفلسفي والإنساني
يظهر في النص تأمل فلسفي عميق حول ماهية الحياة والموت. الراوي يدرك قيمة الحياة فقط من خلال تجربته للموت، وهذه الفكرة تتكرر في النص بشكل يجعل القارئ يتوقف ويفكر في حياته الخاصة ومعناها. الراوي يقول "لم أكن لأعرف نعمة الحياة لولا تجربة الموت هذه"، مما يعكس حكمة قديمة ترى أن التناقضات هي ما يبرز الجوانب الإيجابية لكل شيء.
الإنسانية في النص تظهر من خلال تفاعل الراوي مع من حوله. رغم أنه "ميت"، إلا أنه يشعر ويرى ويسمع، مما يعكس الإنسانية في أعمق صورها. البشر حوله ينسجون حكايات وتأويلات مختلفة عن موته، وهذا يعكس طبيعة البشر في محاولة فهم ما لا يمكن فهمه بشكل كامل.
الخاتمة
تعد سردية "خير وسلام" للكاتب محمد نشوان عملاً أدبيًا عميقًا يستحق التأمل والقراءة المتأنية. من خلال رحلة الراوي في عالم الموت، نتعرف على قيمة الحياة ومعانيها المختلفة. النص يعكس ببراعة تداخل الحياة والموت، ويثير في نفس القارئ تساؤلات فلسفية حول الوجود ومعناه. بأسلوبه السلس ولغته الغنية بالرموز والدلالات، يقدم نشوان نصًا يبقى في الذاكرة ويحث على التفكير العميق في طبيعة الحياة والموت.

