يحك أنفه المحمر الملوث ببقايا مسحوق أبيضَ ، احمرار في العينين يلاحظه الكل و نعاس و خدر يجتاح خلايا الجسم هذا ما أحسّه سليم في جسده
أما في داخل نفسه فمعترك آخر ، فلأول مرة منذ استخدم (البلاء الأزرق)- كما تحب أمه أن تدعوه- شعر بقوته و سيطرته على مجريات الأمور مع أن المشاكل قد ازدادت مؤخراً فمنذ أن ضرب (سايكو) و هو متعكر المزاج ، مهما تعاطى من مكيفات لم يشعر بمزاجه معتدلاً ، الا أن ذلك الأحمق استحق الضرب فكيف له أن يتعدى حدوده و يتاجر في منطقتي!! يجب أن يتعلم الأدب و أن يتيقن بأن منطقة (سليم تَكه) ليست مشاعاً لكل فتىً أراد تجريب قدراته في بيع المكيفات.
لم أنم جيداً البارحة كانت الأحلام المزعجة هي السبب ، إلا أنني سمعت من الشيخ محمود بأنّ عليّ أن استغفر الله عندما أفزع ليلاً وأن أبصق عن شمالي ثلاث مرات و أنام مجدداً ، فعلت ذلك ولم أنم أيضاً ، الشيخ محمود هذا أحمق كبير لقد كان كذلك منذ الصغر على الرغم من عيشه مع أمه الخالة صفية كل هذه السنين و كلفه بالكتب و المسجد إلا انه لم يفكر يوماً بالتغيير ، بينما أنا حاولت أن أتغير ، فمن متعاطٍ إلى التاجر الوحيد في منطقتي وليس هنالك أكبر مني إلا المعلم الكبير (وحيد أبو دومة) ذو الصيت المدوي و السمعة السيئة .
عندما رأيت ( أبو دومة ) لأول مرة كان قد رتب اللقاء (جميل) و قد حاول ردعي أكثر من مرة متعللاً بأن (أبو دومة) دائماً مشغول و أن ليس من لقائه طائل طالما هو يقوم بتأميني بالبضاعة ، أحسست من كلام (جميل) بالخوف على مركزه مني فهو يدرك خطورة الفتى الجديد و مكامن قوته التى تجعل مهترئاً كجميل يرتعد خوفاً من احتمالية ضياع مركزه إمام فتىً جديد جائع متوحش .
بعد مماطلة و تسويف قابلت (أبو دومة) على الرغم من الهالة التي رسمت حوله إلا أنه كان لطيفاً معي فلقد سمح لي بأن أجلس بجانبه و قد أعددت له بعضاً من سجائره الملغومة - تخيل أنا أعد سيجارة ملغومة للمعلم (أبو دومة)!!- هذا ما لا يصنعه غرٌّ في حضرة معلم كبير كأبي دومة ، أردت أن أحوز على ثقته ، كنت في تلك السن مبهوراً بقصصه التي جابت الآفاق و انتشرت في البلاد فمن يراه الآن و هو في مزاجه الرائق و ضحكاته المجلجلة لا يدرك حجم الرعب الذي يسببه ذكر اسمه أمام أعدائه ، لقد رأيت بعض الرجال الأشداء يبولون في سراويلهم عند حضوره ، فهم يعرفون بأن حضور ابو دومة يعنى خروج نفس .
بعد سنوات قليلة أصبحت قريباً منه و أصبحت أرافقه في كل شؤونه المهمة ، فأمرني أن أجهز وليمة عشاء سيدعو عليها المعلم (لطفي الأعور) ، لم أستغرب طلبه فأنا بت لا أستغرب له طلباً ،الأعور كان يتاجر بعض الأحيان في منطقتنا و بسبب ذلك حدثت نزاعات كثيرة أخذت أشكالاً عدة فكان هناك بعض الدم و الضرب و مجالس الصلح ، إلا ان الاعتداءات لم تتوقف من الطرفين نحن و هم .
قمت بالاتفاق مع مطعم كبير و أحضرنا وليمة تليق بالأعور و رجاله .
لقد كان أبو دومة هادئاً على غير عادته ، وقبل الموعد بقليل استحم ولبس عباءة بيضاء أحضرها له أحد أصدقائه من الحجاز و وضع عطراً نفاذاً ، ولكن رأيت عرقاً بارداً ينسل من جبينه ، من يعرف أبا دومة يعرف بأنه لا يبدو عليه التوتر مطلقاً فلقد كان مشهوراً ببرود أعصابه و تخطيطه و نفاذ بصيرته ، استقبل أبو دومة الأعور و رجاله و بالغ في الثناء عليهم و كانت عبارات الترحيب و المجاملات الكاذبة تتطاير كأسراب الحمام من سطوح المنازل كل حين ، و انتهى اللقاء بأنَّ ما فات مات و الخير قادم للجميع .
اثناء مغادرة الأعور قام أبو دومة بإخراج رشاشه الأتوماتيكي و رشق رشقات متتالية أصابت كلاً من الأعور و رجاله ، على الجهة المقابلة من المنزل كان هناك ثلاثة من رجالنا ينتظرون من لم تصبه الطلقات فيجهزوا عليه بطلقات أخرى ، كان أبو دومة يتنقل بين الجثث و يجهز على الجرحى بطلقات من مسدسه و هو يبتسم و يردد (مذبحة قلعة ....مذبحة قلعة... يا جهلة!)
لم نعرف ماذا قصد بكلامه ... إلّا انها بكل تأكيد كانت مذبحة ، أحسست أن هذا العنف المفرط كان يخفى بداخله ضعفاً و خوفاً.
فأبو دومة لم يكن بحاجة لكل هذا العنف ليفرض سيطرته على الجميع ، لقد عرفت ذلك و أحسست به في عيونه و في عرقه البارد الذى فضحه.
يتمطى سليم قليلاً فإحساس النعاس و الاسترخاء يسيطران عليه منذ فترة .
ربما بالغ في التعاطي قليلاً لكنه يعرف متى يُحجِم و متى يُقدِم ، فهو( سليم تَكه) جل ما تفعله معه المكيفات هو انطلاق الخيال و الاسترخاء الخفيف .
لا يدري لماذا بالغ والده في الأمر عندما اكتشف تعاطيه ، فوالده ضربه أكثر من مرة و أمه تبالغ في النصح و البكاء ، وأخوه (حسن) كان الوحيد الذى جلس معه و حاول أن يَفهَمَه ، لكنّ سليم في ذلك الوقت لم يكن ليفهم نفسه فقد كان غاضباً من كل شيء الظروف و البلد و الناس و الحياة كلها .
اعتدل (سليم) في جلسته و طلب كأساً من الشاي .
لا يعرف (سليم) لماذا تضرب تيارات الذكريات رأسه بقوة هذا اليوم ، في مثل هذا الوقت كانت أمه تعد لهم الشاي في المنزل كان يتابع مسرحية ما على التلفاز مع حسن و والده يقرأ جريدة و أمه كانت تجلب الشاي تشربه بصخب و تكرار رتيب مما يجعلهم يضحكون حتى الثمالة .
يستيقظ من تيارات ذكرياته فيجد شبح (سايكو) فوق رأسه و (المطوى) في يده و الفتى يهتز، لقد تعاطى بعضاً من الحبوب المهلوسة ليستجمع شجاعته .
يحاول (سليم ) ان ينفصل سريعاً من حالة الخدر و التّيه ولكن جسده و عقله يخذلانه.
يحدق في وجه (سايكو)
هل ما يراه حلماً ام حقيقة ؟؟؟
هل هو تأثير المخدرات ؟
يحاول أن يتحرك فيطعنه (سايكو) في رقبته فتنغرز ( المطوى) فيها .
يتحسس (سليم) رقبته في ذهول و الدماء تنفر من مكان الطعن .
صراخ الناس يتعالى مع أصوات المذياع الذى يعلك أغنية مهرجانات
(سليم ) أدرك انه أُخِذَ غدراً و أن هذه الضربة (ضربة غشيم)...
هو ميت لا محالة .
يتهاوى(سليم) مضرجاً بدمائه و أنفاسه تتحشرج ... يشخص بصره إلى السماء .
من مكان بعيد يرى والده ، والدته، الشيخ محمود ،أخاه حسن ... يراهم جميعاً..... تنسل روحه من جسده العاجز و تغادر.
المعلم (أبو دومة) يجلس في منزله و دخان الشيشة و السجائر يكتم الأجواء يشير إلى أحدهم فيقترب منه مسرعاً و يخرج له سيجارة ملغومة يقربها من فمه و يشعلها له ، يبتعد الفتى ثلاث خطوات إلى الخلف غارقاً في ظل المعلم ، يلتفت المعلم لأحدهم
( (سايكو) سيمسك منطقة (سليم تَكه) .... تمام!)
يجاوبه صوتٌ مخدر جاف (تمام يا معلم)
على الجهة اليسرى من ظل المعلم بعيداً عنه ثلاث خطوات تقريباً كانت ابتسامة (سايكو) تحتل كل وجهه و ظلال دمعة فرح تنساب على خده.
- الأردن -

