مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

ومن رسم ذكرى خيال شاعر المدينة..! - عبد الرحيم هريوى

رأيتها صدفة من بعيد؛ وهي هناك،إذ تمشي في صمت وهدوء،بجانب حائط الثانوية القديمة التي كنا نسميها "بالبارد"، وإلى اليوم لم أجد جوابا عن هذا الاسم الغامض

 



رأيتها صدفة من بعيد؛ وهي هناك،إذ تمشي في صمت وهدوء،بجانب حائط الثانوية القديمة التي كنا نسميها "بالبارد"، وإلى اليوم لم أجد جوابا عن هذا الاسم الغامض لهذه المؤسسة التعليمية من مخلفات فترات عهد الاستعمار والاستقلال.مثلها كحي الفيلاج والكنيسة والمقبرة.. وأنا الذي ؛لم أعد أراها كوجه طفولي من زمان بعيد.. وذاك ليس بزمن قصير برب السماء ،بعدما انقطع بها حبل الزمان الفوسفاطي ذاك، وهجرت المكان على طول، ومن يدري ربما تغير الحال، وتغيرت ملامح وجه ذاك الإنسان.ففي نهار ما،وبصدفة عبور؛ وأنا أترجل أرضا شبه عارية من صور المدنية ..هناك في شبه شارع من الأتربة و الأحجار،عبر إحدى الشوارع الشبه محفرة،رأيتها ماشية.بالكاد تستقيم مشيتها.وما ألفتها على تلك الحالة..-وكأنها ليست هي ،هي..التي رسمت صورتها في ذهني لعقود من الزمن .. ليلى الشمس في ذاكرة المدينة ..وذاكرة التاريخ.. وذاكرة الزمان والمكان..وذاكرة المشاهدة والبصر.. وما أحمله عنها من صور في ذاكرتي البصرية واليوم ؛أكون قد بصرتها هناك من الجهة الخلفية الأخرى من الشارع الكبير..-هناك من بعيد..-وما برحت قد تخيلتها دائما بنظرة فيلسوف ..-ومشاعر وجدان رهيف لشاعر المدينة..لأننا نحن الشعراء نبحث دائما على شيء جميل يثير فينا إحساساتنا الغريبة ..-وظننتها دائما؛ في صورة لوحة من صنع طبيعة الخالق الديان..وهي تحمل سرها فوق جسدها الرشيق،وفي تناسق متكامل الأوصاف، من ألوان الزينة، ثياب متناسقة تعطيها جمالا فوق جمال إضافي لجمالها الكبير..كلها آيات من السحر والجمال الخلاق..هي،هي،و لربما قد تعرفني بالطبع بآسمي، لكن في وجه صورة مراهق من البعيد..سواء كان ذاك في جو ماطر أم تحت سماء تحجب شمسها بعض الغيوم..وأنا كذلك أعرفها كعاهلة في مملكة النحل، بهمة فريدة من نوعها..وبما تملكه من مكانة وترف عيش في ذاك الزمان..وأنا القادم من عالم البدو ،والحامل معي عشق الفضاء القديم للبادية..ولغة بقاموس من ثقافة الصبار والصهد و الأتربة والأحجار وقطعان الماشية والطوق والنسيان..أما أنا فقد كنت أمشي في الجهة التي أرتاح فيها رفقة ظلي الثاني..!هي رأتني سعيدا كما تخيلته..!وأنا أعيش زماني الجميل..!وأنا في بزوغ فجر حياتي..!وفي زخم أيام شباب جديد..!مزهو بريش طاووس من ما أحمله معي من صباغة من الألوان..حياة جديدة قد كانت شاهدة عليها،وهي تزهر بكل أصناف المجد الآتي من بعيد..أيام ما فتئت تضمني..!تحضنني لصدرها الدافئ بشوق وبعشق وحنين..!لقد كانت تمشي لوحدها ويتبعها ظلها الجميل..!لقد كانت مصدومة في ملتقى مدارة أحزان تعيشها في صمت..إذ كانت ما تزال تخطو خطواتها تبحث لها عن نجاة..وتمشي الهنيهة حينما تطوي أيام شبابها ببطء..وهي التي لا تدري ما تخفيه لها الأيام.من أخبار تتسارع بسقوطها على وجه اللوح المحفوظ..!ولربما قد تكون قد فقدت للتو والدها أو والدتها..أوما تزال تحمل نذوبها القديمة في صدرها عن رحيل أخيها صخر..!كم مرة رأيتها في صورة حسناء المدينة في زمانها الذهبي،وهي تمشي الهنيهة..قافلة صوب المحطة..في طريقها للبيت القديم..وكم كان للعشق من ذكرى جميلة..!وكم ألف الزمان أن يحمل لنا معه من صور تبقى حية لا تموت مع السنين..!وظل الوجه الأنثوي حاضرا على ضوء شموع يحمل معه صورا من ذكريات جمالها الكبير..!والتواجدالسحري في أي مكان كان، تطأه قدميها حتى ولو كانت طاولة منسية من بين طاولات فصل دراسي، تشهدعلى رسائل من ذاك الزمان المفقود..!وحتى وجه طاولة الدرس و بالصدفة تحولت لفضاء للتعبير عن لوعة العشق ومحطة من محطات رسائل العشق والغرام..!


- المغرب -
 
 قراءة برشلونة الأدبية:

تتميز القصة "ومن رسم ذكرى خيال شاعر المدينة" بعمقها الوجداني وتناولها لتجربة شخصية تتشابك فيها الذكريات مع الحاضر بطريقة شاعرية وملهمة. القصة تعتمد على تصوير الأحاسيس والأفكار التي تجتاح السارد عند رؤيته لامرأة كانت جزءًا من ماضيه. هذا النص يعبر عن تجربة إنسانية عالمية تتعلق بالحنين والذكريات والعلاقات الإنسانية.

اللغة والأسلوب:

النص يستخدم لغة شاعرية غنية بالإيحاءات والرموز، تعبر عن المشاعر الداخلية للسارد بشكل مكثف. اللغة هنا ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي أداة لإيصال الأحاسيس والمشاعر بطريقة مباشرة وعميقة. الأسلوب السردي يتسم بالتأمل والشاعرية، حيث يعتمد الكاتب على الوصف الدقيق للأماكن والأشخاص لخلق صورة كاملة في ذهن القارئ.

  • الصور الشعرية والرموز:
    • البارد: تسمية المدرسة بـ"البارد" تثير في القارئ تساؤلات حول معناها ورمزيتها، وقد ترمز إلى البرودة العاطفية أو الفترة الزمنية التي انقضت.
    • الفيلاج والكنيسة والمقبرة: هذه الأماكن تحمل دلالات تاريخية واجتماعية، تعكس تأثير الاستعمار والفترات الانتقالية التي مرت بها المدينة.
    • ليلى الشمس: هذه الصورة تجمع بين اسم الشخص والطبيعة، ما يضفي عليها سحرًا وعمقًا، ويعكس الجمال الداخلي والخارجي للشخصية.
    • ظلها الجميل: الظل هنا رمز للذكريات والأثر الذي تتركه الأشخاص في حياتنا، وهو يرافق الشخص حتى بعد غيابه.

الموضوع والمضمون:

النص يعبر عن تجربة السارد في مواجهة الماضي والحاضر من خلال لقاء عابر بشخصية من ماضيه. يركز النص على استكشاف التغيرات التي طرأت على كل من السارد والشخصية الأخرى عبر الزمن.

  • الذكريات والحنين: النص يتناول موضوع الذكريات وكيف يمكن للقاء عابر أن يعيد إحياء مشاعر وأفكار قديمة. الذكريات هنا ليست مجرد أحداث ماضية، بل هي جزء من الهوية والتجربة الشخصية للسارد.

  • التغير والزمن: النص يستكشف كيف يمكن للزمن أن يغير الأشخاص والأماكن. التغيرات التي يلاحظها السارد في الشخصية الأخرى وفي الأماكن التي كانت مألوفة له تعكس الطبيعة المتغيرة للحياة والوجود.

  • العلاقات الإنسانية: النص يعبر عن تعقيد العلاقات الإنسانية وكيف يمكن للحنين والذكريات أن تربطنا بالأشخاص حتى بعد غيابهم. العلاقة بين السارد والشخصية الأخرى ليست واضحة تمامًا، لكنها مليئة بالعمق والعاطفة.

البنية والتنظيم:

النص يتميز ببنية سردية حرة تتنقل بين الماضي والحاضر بطريقة سلسة. هذا الانتقال الزمني يعكس طبيعة الذكريات وكيف يمكن للحاضر أن يكون مشبعًا بالماضي. الفقرات تتدفق بانسيابية، وكل جزء يكمل الآخر في بناء الصورة الكاملة للتجربة الشعورية للسارد.

المشاعر والعواطف:

النص مليء بالعواطف والمشاعر الحية التي تتدفق من قلب السارد إلى القارئ. يمكن للقارئ أن يشعر بالحنين والتأمل والحزن والفرح من خلال تعابير السارد وصوره الشعرية. النص يعبر عن الشوق للأيام الماضية وكيف يمكن للذكريات أن تكون مؤلمة وجميلة في آن واحد.

النقد الاجتماعي:

النص يحتوي على نقد اجتماعي ضمني من خلال الإشارة إلى الأماكن التي تحمل آثار الاستعمار والفترات الانتقالية. الأماكن مثل "الفيلاج" و"الكنيسة" و"المقبرة" تعكس تاريخًا معقدًا وتغيرات اجتماعية وثقافية مرت بها المدينة.

الختام:

في الختام، يمكن القول إن نص "ومن رسم ذكرى خيال شاعر المدينة" للكاتب عبد الرحيم هريوى هو نص غني بالرمزية والشاعرية، يعبر عن تجربة إنسانية عميقة تتعلق بالذكريات والحنين والعلاقات الإنسانية. استخدام الكاتبة للغة الشعرية والرموز الغنية يضفي على النص عمقًا وتأثيرًا كبيرًا. النص ليس مجرد سرد لأحداث، بل هو تأمل في الحياة والزمن والتغير، ويحث القارئ على التفكير في كيف تؤثر الذكريات والعلاقات على حياتنا وهويتنا.

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x