مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

دمية تحت ركام - يوسف لمليح

 



وسط هذه الخيام المتراصة بغير انتظام ووسط صوت الآلات الحربية التي لم يعد يحصي أسمائها خرج أحمد، متوجهاً إلى بيته الذي حطمه العدو بدباباته وصواريخه التي كانت تمطر الحي بأكمله وكأن من يسكن تلك البيوت النقية ذباب. على خطى غير مرئية سار إلى حيه وقد سقطت من عينيه دمعات على حال فلسطين. سمع صوت رصاصات بالجانب الأيسر لكنه لم يبالي، فالخوف الذي ينتابنا نحن البشر قد أكرم الله شعب فلسطين قلباً لا يخاف إلا الله. فهم ليسوا مثلنا، وإنما مشاريع شهادة.

أخذت خطواته نحو بيته المحطم تقترب شيئاً فشيئاً، يحاول الوصول قبل أن يراه أحدهم. فقد يكون آخر يوم له على أرضه المغتصبة وهو يعلم جيداً أنه سيكون ضمن العدد دون ذكر اسمه أو سبب وفاته أو حتى كيف أصبح شهيداً. كان يعلم جيداً حجم التخلي الذي وفره العالم له ولباقي سكان الأرض الشريفة، لكنه لم يتوقف. فقد وصل أخيراً، دخل البيت من الجانب المحطم وهو يصعد الركام وبعض الأسمنت ويتسلق اللبنات المتكسرة.

صعد أخيراً إلى تلك الغرف المتفرقة التي يتوسطها جدار مائل يأبى السقوط وكأن يقول لو ضربت بصواريخ الأرض أجمع لن أهدم ولن أتخلى عن بيت كنت من أساسياته يوماً. حتى الجدار لم يستسلم لابن اليهودية، فكل شيء مختلف هناك حتى الأطفال غير باقي أطفال العالم. وهذا ما كان يبحث عنه أحمد، كان يبحث عن بعض رائحة صغيرته ليلى. فقد رحلت لتترك كل شيء خلفها، لم تكن تجيد المراوغة فهي فتاة لم تتجاوز الخامسة من عمرها.

في كل يوم كان لأحمد حرب مع نفسه ومع العدو محاولاً الحفاظ على سلامة ابنته، فقد كانت هذه آخر وصايا أمها لزوجها البائس. وجد تلك الدمية التي بترت ساقها وتساقطت بعض دماء ليلى عليها وقد ارتجفت يداه محاولاً التقاطها. لم يستطع الوقوف لوقت طويل فقد فقد طاقته في الليلة التي مرت عليه كأنها عقد من الزمن محاولاً استيعاب ما وقع له ومحاولاً تصديق أن ليلى قد غادرت إلى دار الحق. في محاولاته للإمساك بالدمية سقط على ركبتيه وقد غالبته دموع الحزن التي خلفها العدو له. بكى قلبه قبل عيناه وبعد مدة كان قد استنفد فيه قواه وهو يتمنى الموت لكنه أعاد النظر في نفسه ليقف مجدداً محاولاً العودة لتلك الخيام.

لكن صوت أنين كان خلف جدار وسط ذاك الدمار، حاول أحمد أن يجده وتتبع الصوت بحذر شديد ليجد جاره عبد الله منطوياً في زاوية من غرفة لم يترك منها ذاك السلاح إلا تلك الزاوية. ساعده أحمد ليجدا نفسيهما متجهين إلى تلك الخيام التي استقرت بعيداً عن حرارة العدوان الصهيوني. على خطى غير مستقرة يجران أرجلهما في طريق مهجورة والمنظر أصبح مؤذياً للعين بتلك البنيان التي تهدمت على أناس أبرياء لا يعلمون كيف اغتصبوا في أرضهم أمام أنظار العالم.

أخذا الجاران في أطراف الحديث بينما لاحظ أحمد صوت طائرة مسيرة فوق رؤوسهم، حاولوا الاختباء إلا أنها توقفت فوق رؤوسهم. فوق عصا وجدها بجانبه وضع قميصه الأبيض يعلن من خلاله أنه غير عدواني ولا يحمل سلاحاً وليس بمحارب وإنما مواطن سرقت منه أرضه وأهله، لكن الطائرة ظلت ثابتة فوق رؤوسهم تسمع فحيحها وكأنها أفعى تحاول التهام فأر مسالم. أخذ الرجلان ينطقان الشهادة فهما يعلمان جيداً أن الصهاينة لن يرحموا ضعفهام.

تحركت الطائرة في الاتجاه الآخر، استند عبد الله على أحمد الذي يساعده في السير وتحركا إلى الأمام في اتجاه المخيم. لم يشعر أحمد بالأمان فقد عارض جاره على المسير، ولكن إلحاح هذا الأخير جعل من أحمد موافقاً. خرجا من الحطام في طريق خالية نوعاً ما ليسمع أحمد فحيح تلك الأفعى التي لم تترك للرجلين خياراً في المساومة ولا في الدفاع عن نفسيهما، لتمطرهما رصاصاً ألقاهما شهيدين.

تناقلت وسائل الإعلام الحدث المؤسف، هناك من تعاطف وهناك من بكى وآخرون لم يبالوا، ولكن الدمية التي سقطت من يد أحمد ظلت في أذهان كل المتخاذلين.


- المغرب -

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x