تربى "إيدوار لوكان" وكأنه ريشة نمت وسط أحضان طاووس عاش البذخ بين عروش الأشجار بحي لاكولين، هنالك في الغابة سمع صرخة مولود جديد قبيل الفجر بقليل، الصوت ذلك، لم يكن يسمعه غير الفيلسوف الأصم لوكان، الذي ألف التأليف عن كل المواضيع التي يسمعها لوحده، رغم بعده عن مكان الولادة ببضع مسافات غير محسوبة، إلا أن الرجل يسمع بروحه اللا محدود، فهو الكائن الغريب الوحيد الذي يتمتع بتلك الخصلة، السماع بالروح والانتقال بالرؤية المعنوية في أبعد نقاط عن جسده الرمزي، بينه وبين الغابة أرخبيل امتد به الحال كلسان الأناكوندا، السفن تغتال البحر متوغلة أجواف الأرخبيل، منبع اللسان المتورط بمجراه المختلف، أما البحار البسيط فعلى الأخشاب يجدف كالسلحفاة، أراد أن يوصل رسالة الولادة قبل طلوع الفجر، لم يكن يدري أن لوكان أبلغته روحه الفحوى تلك، روحه تجاوزت السفن، وأربكت حسابات البحار، رغم أن الفيلسوف ذلك كان أصما، فقد أدرك أن الصبي، صاحب الصرخة المختلفة لم يكن جسدا مكتملا، ذلك ما علمه الأصم، لم يكن الأمر سهلا، عليه باجتياز الارخبيل لكي يتفحص ذات الولادة الغريبة، لم يكن يصدق نفسه، رغم حدسه الاغترابي، لكنه أصر على ولوج الأدغال النفسية لموضوع الولادة، صممه ذلك ساعده للابتعاد عن البشر، المشكل للعقد، خاصة أن البحث له علاقة بالروح، والكينونة ترسم بعدا مختلفا، بمقدورها أن تصرح بدون رأس، إذ لا ملامح يستطيع الزمن أن يؤسس عليه قناعات الانتظار والتطاول على الوجود، أن تكون صبيا يصرخ بدون رأس، فذلك يخرج من نطاق الاعتيادية والمباشرة، لوكان يفهم لغة التعامل مع هذا البعد الكوني، لأن الأمر أصلا لا يتعلق بالفصيلة البشرية في أبعادها الفيزيونومية، إنما الذات ترقى في الصبي إلى ما ورائية البعد الحسي، فهي بعد يستجلب الأحاسيس التي تقوى على فهم لغة العوالم الأخرى، والقدرة على استيعاب المستحيل من الأفكار، الصبي لغة تستجدي الغوص وتقيس موضع الروح عند الآخرين، لذلك فطن لوكان بالأمر، وتوغل صحاريه وأدغاله وبحوره المائية كي يستقي معاني ورائية البعد في الصبي، ذا الصرخة الأولى في كينونة معقدة، وعلى الفيلسوف الأصم، أن يحقق رجاء روحه التي لا ترى بمنظور العامة، وخاصة إذا كان ذلك يستدعي حوارات خاصا، وبلغة لا يتكلم بها أحد من البشر، ويلزم هذا اللوكان الغريب أن يجد الصبي، عله أن يجد حلا وبعدا روحيا جديدا يكون سلطة على نفاذ الاعتبار المجازي لكافة المخلوقات التي أضحت تعيش الارتباك في أعماقه المعنوية، لوكان يخترق الصحراء والأرخبيل ويتجاوز الأدغال، إنه الآن في طريق البحث عن شجرة معينة، أنها المورقة بعبق السنديان، أوراقها تشكل خرائط صغيرة، كل ورقة تحدد لجغرافيا فلسفية نفسية، عليه أن يجيب بصمته الذي يخفي سدا منيعا من الأسئلة حول ما هو فيه من وضع روحي هائل المدارك، وقبل أن يطل على خلف الشجرة الضخمة الجدوع، عليه أن يعدل جلسته ويغمض عينيه، وعليه أيضا أن ينظر إلى السماء، نظرة يعتريها زفير يخلد لفتح أبواب لزمها أن تكون مشرعة على واقع روحه وذاته، لأن حواره مع الصبي، يتطلب جهدا وعناء ليس له مثيل، إذاك سيسمع لهفة الشوق من ذات لا تحمل رأسا لصبي طال انتظار البحث عنه…
الفيلسوف لوكان درس جميع شعاب الفلسفة وعلوم النفس، ومارس على نفسه لعبة استجداء النجوم، وخبر لهجتها وعناوين تراكيبها المنتظمة عبر ملايين السنين، دون أن يقع بها لبس التشابك، أو تلاطم على سبيل الارتباك، لأن التسيير أصله العدل والتوازن، ودليل على قوة عظيمة تراقب هذا التناظم العظيم…
لوكان شخصية بارزة عبر أوراقه المدونة في كتب سجلت لون عبقريته بدم الأجواف، رجل ذكي زاده الصمم هبة وعلو في النفس والروح، بلغ الليل وفي ليلته تلك دعوة منه إلى دواخله ليتوقف بها كل تفكير عن الذات البشرية، الأهم في الليل، ايحاء بالخلود، صمت مهيب يعلو الجبال ويتسلق الأشجار، إنها مقابلة تضاهي الوجع، وعند المخاض في الولادة تعرف العذابات، حضر الصبي المتجسد في صوت غريب، إذ لا ملامح ولا صورة أصلا تستدعي الحديث عن الوجود…
فهم لوكان العبقري أن الحوار غير مرئي، لذلك جهز نفسه للأسئلة الرمزية الفريدة المتفردة بنوع من البناء في السلوك كلغة للأرواح، وعد نفسه بأن يجيب بصراحة، ووفق مفاهيمه العلمية والنفسية، لم يكن متأثرا بشخصية الصبي، فهو يعلم بأنه جسد بلا رأس، هو استدراج نحو الكلمات، يمكن اعتباره السؤال الآتي بلغة الآتي، ما يهم في نظر لوكان هو التجاوب الفكري، بين روحين مختلفين، تكون شجرة السنديان فاصلا ماديا بينهما، يحتمل فيه الوجود من عدمه، لأنه سيان في جميع الحالات، لأن المسألة تتعلق بالسؤال الروحي، بعيدا عن التفكير في لزاجة الأشياء والتباين مع موضوع الصلابة فيها، وإن صح التعبير عن حوارية الذات الفلسفية والروح الأخرى، تلك الخفية التي تقوى على استدراج الأفكار، وتحويلها إلى البحث عن الحقيقة المطلقة بمجرد السؤال…
- الولايات المتحدة الأمريكية -
الفيلسوف لوكان درس جميع شعاب الفلسفة وعلوم النفس، ومارس على نفسه لعبة استجداء النجوم، وخبر لهجتها وعناوين تراكيبها المنتظمة عبر ملايين السنين، دون أن يقع بها لبس التشابك، أو تلاطم على سبيل الارتباك، لأن التسيير أصله العدل والتوازن، ودليل على قوة عظيمة تراقب هذا التناظم العظيم…
لوكان شخصية بارزة عبر أوراقه المدونة في كتب سجلت لون عبقريته بدم الأجواف، رجل ذكي زاده الصمم هبة وعلو في النفس والروح، بلغ الليل وفي ليلته تلك دعوة منه إلى دواخله ليتوقف بها كل تفكير عن الذات البشرية، الأهم في الليل، ايحاء بالخلود، صمت مهيب يعلو الجبال ويتسلق الأشجار، إنها مقابلة تضاهي الوجع، وعند المخاض في الولادة تعرف العذابات، حضر الصبي المتجسد في صوت غريب، إذ لا ملامح ولا صورة أصلا تستدعي الحديث عن الوجود…
فهم لوكان العبقري أن الحوار غير مرئي، لذلك جهز نفسه للأسئلة الرمزية الفريدة المتفردة بنوع من البناء في السلوك كلغة للأرواح، وعد نفسه بأن يجيب بصراحة، ووفق مفاهيمه العلمية والنفسية، لم يكن متأثرا بشخصية الصبي، فهو يعلم بأنه جسد بلا رأس، هو استدراج نحو الكلمات، يمكن اعتباره السؤال الآتي بلغة الآتي، ما يهم في نظر لوكان هو التجاوب الفكري، بين روحين مختلفين، تكون شجرة السنديان فاصلا ماديا بينهما، يحتمل فيه الوجود من عدمه، لأنه سيان في جميع الحالات، لأن المسألة تتعلق بالسؤال الروحي، بعيدا عن التفكير في لزاجة الأشياء والتباين مع موضوع الصلابة فيها، وإن صح التعبير عن حوارية الذات الفلسفية والروح الأخرى، تلك الخفية التي تقوى على استدراج الأفكار، وتحويلها إلى البحث عن الحقيقة المطلقة بمجرد السؤال…
- الولايات المتحدة الأمريكية -

