مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

سَقْفٌ بَلاَط - صفاء اللوكي



ليس هناك حلّ لهذا الأمر.. إلاّ أن أقْلِب سقْفَ الغرفة، بالتالي تصبحُ أرْضيةُ الطابق العلوي من المنزل سقفي، وسقفي هو أرضية الطابق! ليس مهما، المهم أن أتخلص من هذا الكابوس!
ثم إن جابر بن حيّان لم يبق له إلا أن يظهر أمامي حقيقة من كثرة رؤيته في مناماتي.. يحدّقُ فيّ ويشير إليّ بسبابته رافعا عينيه للسقف جملته المعتادة "السُّمومُ ودَفْعُ مَضارِها".. لم أستطع فك شفرته لسنتين متتاليتين.. كأنها شفرة دافنتشي! المهم لعلّ وعسى الآن، بفكرتي التالية أستطيع فهم لغزه.
قررتُ اليوم، بعد سنتين من المعاناة والأرق المتواصل أن أقلب السّقف، سقف غرفتي. أخذتُ صندوقَ وعُدّةَ التنظيف، صعدتُ للطابق الثاني توجهت للغرفة التي توجدُ مباشرة تحت سقفي، لأقوم بعملية تنظيف السّقف أو الأرضية، حتى أزيل عنه هذه الخرائط. الخرائط جزر بركانية ومالديفية زينّت السقف بأشكال مخيفة، فهي تارة جزر المالديف أعيش فيها أحلام يقظة جميلة ما تفتأ تُغْرقني بعد أن أُسْلَبَ بجمالها.. وأحيانا تَقْلِبُ جزرا بركانية مخيفة تُعَيشني أحلام يقظة مخيفة لا تنتهي.. والحال أحلام سيئة على الدوام!
أخذتُ المكنسة وبدأت التنظيف.. أنظّف وأنظّف بشكل هستيري، كلما نظّفتُ أكثر كلما اتسعت البقع السوداء، أصبحت أكثر اتساخا من ذي قبل. كلما نظّفت زاد الدّخان الأسود من حولي، بدأ صراخ أمي يتصاعد.. أغلقت باب الغرفة حتى لا يتسرب الدخان لباقي أرجاء المنزل.
عدت لعملي؛ بحثتُ في صندوق مواد التنظيف وأتيتُ بماء جافيل، أتمنى أن يقضي ماء جافيل على هذه الهالات السوداء التي تؤرقني كل ليلة، وترسمَ لي عوالم مخيفة تحرمني نومي. سأنتقم منها الآن أشدّ انتقام.. ماء جافيل مُطهّر لكلّ شيء.. كلّ شيء.. أجل!
أخذتُ منشفة وسطلا صببتُ فيه كمية جيدة من جافيل وبدأت أعقمُ كل السقف أو كل البلاط - لا يهم - ، بقعةً بقعةً إلى أن اختفت جميعها. أصبح كل شيء أبيض.. سقفي الذي أقف عليه الآن أصبح أكثر نقاء، الآن سأنعمُ بنومٍ هادئ بعد سبع مائة وثلاثين ليلةً بيضاء.
مسحتُ العرقَ المتصببَ من جبيني، فكرتُ ماذا لو أضفتُ محلولا آخر يقضي نهائيا على هذه البقع من الجذور، فقد يكون هذا البياض مؤقتا وتعود الخرائط البركانية والجزر المالديفية تطفو فوق رأسي من جديد.. قد أُحْرَمُ النوم لستُ أدري كم من الوقت.. وقد تطول المدة. سيما أنّ هذه الخرائط والجزر ذكية جدا، قد تعود بشكل قوي تحرمني النوم بقية حياتي.. من يدري؟! عليَّ أن أتغذَّى بها قبل أن تتعشى بي.
عدتُ لصندوق أدوات التنظيف مجددا.. بحثتُ فيه إلى أن وجدتُ ماء الفِضّة.. وضعته كاملا في بخاخ مستقل، بدأت عملية الرشّ.. كأني في حقل زراعي أقوم بعملية تطهير المزروعات من الحشرات الضّارة، وكأن المبيدات غير ضارة! ربما الضّار يقتل الضّار كما يقال، هذا السائد على الأغلب!
قمتُ برش كل السقف حتى تشكلّت سحابة بيضاء من حولي كبرت واتسعت أكثر فأكثر، لم أعد أرى يدي من كثرة البياض من حولي.. لكن هذا البياض يليق بي حقّا. تراءى لي جابر بن حيّان مرة أخرى، لكن هذه المرة كان يُلوّحُ لي بيده ويرفع علامة النّصر كأني خارجة من غزوة مباركة، مردّدا جملته المعتادة "السُّمومُ ودَفْعُ مَضارِها".
نال منّي التعب الشديد ..كدتُ أسقط مغشيا عليّ لولا أني أمسكت بكرسي، فجأة أحسستُ بدوار وبصعوبة في التنفس.. بدأت أختنق ربما، لم أعد أعرف ما الذي عليّ فعله.. كأني فقدتُ التركيز.. أو فقدت الوعي غالبا!
استعدتُ وعيي بعد وقت لست أدري مدّته، لكنّي وجدتني مع جابر بن حيّان كان يسندني إليه سالكا بنا ممرا مضيئا، كان يتحدث بكلام غير مفهوم.. كل ما استطعتُ أن أميّز من كلامه هو جملة واحدة "السُّمومُ ودَفْعُ مَضارِها"!


- المغرب -
حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x