بعدما أكمل دوامه ، تنهَّد تنهيدة طويلة ، استكمل بها الصباح بالمساء الذي توَّجَهُ بالضَّنَكِ... رتَّبَ مكتبه و أعاد الأغراض إلى أماكنها ، لم يُفَوِّت فرصة تواجدِهِ بالمكتب ليُلِقي نظرة خاطفة على سجل الرسائل الصوتية ، الخامسة و النصف و الثانية عشرة زوالا و الثالثة مساء وهلم جرا ، كأنِّي به يُراقص عقارب الساعة و هي تدور دورة الحياة ... وقع نظره على رسالة عاجلة و متأخرة ليس من عادتها أن تُرْسِلَ الرسائل في هذا الوقت ، وبالضبط عند نهاية الدوام ! ، علتْهُ ابتسامة تعَجُّبٍ و هو يتنحنح تارة و يتنهد تارة أخرى ، يفرك شعر رأسه الذي وخَطَهُ شيْبٌ منسدل كانسدال ظُلمة المساء ...
يتردد الرجل بين إعادة الاتصال برسالة شريكة حياته ، وبين لقائها كما جرت العادة ، وقبل أن يخرج من المكتب رنَّ هاتف المكتب ، فانتظر الرجل قليلا حتى رنَّ ثانية و بعدها رفع السماعة قائلا : " لقد خرج من المكتب نعتذر عن عدم الرد !! " ، بصوت أنثوي حانق يكون الرد مُدَوِّيًا : " أعلم أنك في مكتبك تبحث في سجلات الرسائل الصوتية و المكتوبة ، من أجل ضحية أخرى !..." ، بدأ الرجل يتصبب عرقا و قد شعر بضيق يتَملَّكُهُ ولم يعد باستطاعته إكمال البحث عن سجل المكالمات ... حينها ضغظ على زِرِ الإيقاف ، و خرجت منه تنهيدة طويلة عكس الأخريات ، و بصوت مهموس يتمتم: " ليتني ذهبت قبل هذا العتاب ..." ، سارع للخروج من المكتب الذي أحكمَهُ سواد الليل ، حينها علم أن الوقت قد طال و قد تاه مع البحث في سجلات الرسائل المتلاحقة لنهار اليوم ... ينزل السلالم بسرعة و ما إن وصل إلى المخرج أطفأ الأضواء المركزية لكي لا يستبين أحد أمره ، ينحو نحوه ضوء سيارة كانت في المخارج ، ولكنه لم يعبأ بذلك و اكتفى بتلويحة سريعة دونما التفات ... عندئذ يرن هاتفه الشخصي فلم يرد على المكالمة ... سارع السير بالسير إلى أن وصل إلى مفترق الطريق حيث يركن سيارته على استحياء ، لتُنبِّههُ رسالة مكتوبة على هاتفه ، أخرج الهاتف و دخل خانة الرسائل وفيها : " هكذا إذن ...اعلم أنني قد تركت لك طعامك و اكتفيتُ منكَ بتلويحةِ يدٍ ، وغدا صُبْحُ فِراقنا ..." .
- الجزائر -
