أواخر شهر يوليوز من صيف سنة 2022 الحارقة على مختلف الأصعدة، قضيت بضعة أيام بمدينة مارتيل الجميلة، التي تقع على الساحل الشمالي المتوسطي للمملكة المغربية. وكما مدن الشمال؛ تسربلت مارتيل بالأبيض وازدانت بزرقة غامرة. وبقدر ما أذهلني عدد المرتادين لكورنيش الشاطئ الممتد على طول 2200 متر، أصبت بخيبة أمل كبيرة وأنا أبحث عن ركن أو مساحة أو فضاء خاص بعرض منتوج ثقافي يروي عطش أي سائح إلى المعرفة. للحظة كدت أجزم بأنّ سرّ هذا التدافع الآدمي والحجيج المتدفق باستمرار على رصيف البحر؛ رائحة الذرة المشوية ورقائق البطاطس المقلية وما لا يُعدّ أو يُحصى من واجهات المطاعم والمحلاّت التي تعرض صنوف الأطباق وأشكال القطائف والحلويات، ناهيك عن بعض المعارض الموسميّة ذات الطابع الاستهلاكي.
وأكثر ما أدهشني وسط هذا الكرنفال غير المُنظّم، تهافت الأطفال والمراهقين على ألعاب رخيصة تشبه القمار، لا يسلم المارّ بمحاذاتها من بذيء الكلام ولفيف الشتائم!
سِراعا مرّت أيام إقامتي في مارتيل وتورّمت قدماي من المشي على رمال وكورنيش الشاطئ الحافل بالزوّار دائما. وفيما كانت الحافلة تطوي طريق العودة، تراقصت أمام نظري صورة شابة خجولة وهي تطالع كتابا بنهم قارئة ذكيّة. لا يقطع تركيزها سوى سؤال أحدهم عن ثمن كتاب من بين الكتب المرصوفة بعناية، فإذا انزعجت من كثرة الاستفسار نوّهت بالتفاتة سريعة ناحيته بمعاينة ظهر الغلاف حيث سعر البيع مُثبت، لتختفي مجدّدا تحت القبعة العريضة خاصتها مواصلة القراءة...
توقّفت بمدينة مراكش ونزلت بفندق قريب جدا من ساحة "جامع الفنا" الشهيرة. ما كانت تلك زيارتي الأولى لهذه المدينة؛ فقد أتيحت لي في فترات سابقة فرصة حضور حلقات مروّضي الأفاعي، ورواة القصص والأحاجي المشوّقة وكذلك الاستمتاع بعروض موسيقيّة مختلفة وغيرها من مظاهر الترفيه الشعبي التي تختزل تراثاً فريداً من نوعه. بيد أني لاحظت أمراً شبيها بالأجواء التي عاينتها بمدينة مارتيل: إقبال كبير على ما يُشبع حاجات الجسد من طعام وشراب ولباس، ونفور وملل سريع ممّا يروي ظمأ العقل والوجدان.
تركت الساحة ليلتها وجبيني ينزّ أسئلة حارقة مُكرّرة بائسة؛ لم يخفّف من لهيبها غير ذكرى بائعة الكتب بجلستها المهيبة وقبّعتها الواقية العريضة، مسترسلة في القراءة لا يعكّر خلوتها تقلّب جوّ أو أسعار أو مناخ!
