قبيل شروق الشمس، تخرج من منزلها داخل الحي الشعبي وتتجه نحو محطة الحافلة،
إنه مكانها المفضل ، لتجذب بعض المارة إليها ، تتقدم من أحدهم وتعرض خدماتها ، على وجهها بعض الشحوب ، وتحت عينيها زرقة خفيفة ، فعملها لا يتطلب جمالا ولا حتى زينة، ترتدي نفس اللباس يوميا، كي تعرف بشكل رسمي أنها صاحبة ذلك المكان ،ولا تتجرأ احداهن على منافستها فيه ..
تبدأ باستعراض قدراتها في الكنس والطبخ والكوي، في بعض الأحيان يرفضها أحدهم بسبب شكلها الهزيل ،يعطيها بعض الدراهم ويغادر بسيارته الفرهة..
في ذاك الصباح كان الجو ماطرا، اختبأت داخل المحطة، جلست تنتظر مرور السيارات اللامعة والتي تحمل وسما معروفا لأصحاب الطبقات الثرية، كان الجو أقرب للظلمة منه إلى النور، وحركة المارة بطيئة بسبب المطر ، ظهرت لها سيارة قادمة من بعيد تغمز بإضائتها الأمامية فيظهر المطر واضحا جدا، كأنه لا يتساقط إلا في اتجاه الضوء ، نهضت من مكانها وانكشفت للطريق كي يلحظها السائق، كانت تتمنى أن تركب السيارة وتحضى ببعض الدفء، فيديها ووجهها تجمدا من البرد، أشارت بيدها للسيارة ،فبدا السائق بتخفيف السرعة، اقتربت منه وبدأت تسرد جملتها المعهودة " أطبخ.. أكنس، أكوي ..أرتب ..لكن هذه المرة بصوت مرتجف ، كأنها خارجة للتو من ثلاجة الموتى ، حشرت رأسها داخل نافذة السيارة ، وبينما هو يتفاوض معها ، استعاد وجهها بعض الحمرة ، بسبب دفء السيارة من الداخل، لكن جسدها بالخارج ينتظر الخلاص ،
يبدو أن الرجل كان يريد امرأة لأعمال أخرى ، لكنها لم تكن من نوعه المفضل، كان تصر عليه أن يجرب شطارتها هذه المرة فقط ، لكنه كان يجيب : أريد فتاة لا تتجاوز العشرين وأنت كبيرة بعض الشيء
كانت تبحث عن كل الكلمات التي حفظتها طوال هذه السنين علها تجد تلك الجملة السحرية لتقنعه، لكنه سرعان ما اعتذر منها، وأمرها بالإبتعاد..
كانت تفكر في رأسها بعد خروجه من هذا الدفء، أين سيكون مصيره ..
تراجعت للخلف وتركت صاحب السيارة يدعس بفرامله على يومها بأكمله ..
المطر أصبح أكثر غزارة، وتحول جلبابها الأخضر الى الرمادي لكثرة البلل، تجمدت مكانها، وأصبح لا فرق بينها وبين أعمدة الإنارة ..
لا أحد يمر من أمامها ،كأن الإنس غادروا الى الجنة وتركوها في هذا الجحيم وحيدة..
مطر.. مطر ..مطر..
أصبح الشارع بركة ماء كبيرة، كلما مرت سيارة تلطخ ووجها الغارق في الهم بالوحل، يمرون غير آبهين بها أو ربما لم يلحظوا وجودها من الأساس..
بدأت تمسح وجهها بكم جلبابها، لتظهر من جديد، كأنها فارس من طروادة عازم على النصر
تبدأ بالتلويح مرة أخرى، لكن هذه المرة بكلتا يديها، تتطاير قطرات المياه منهما والبلل يثقل كتفيها، فتخور قواها وتسقط ذراعاها كالمغمى عليه، وترتطم بفخديها فلا تعد قادرة على حملهما من جديد..
في تلك اللحظات البائسة، تقف سيارة بالقرب منها، ويأمرها السائق بالصعود دون أي تفاوض، تركب السيارة التي لا تعرف وسمها ولا لونها ولا حتى وجه من يقودها، يبدا الدفء من جديد يتسلل إلى عضامها ، تشعر ببعض القشعريرة ، تضع رأسها على وسادة المقعد وتغط في نوم عميق ..
تنطلق السيارة الى حيث الشمس أوربما إلى ما وراء الشمس ..
- المغرب -
