مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

حراس الوعي الكمي - إدريس الجرماطي

وحده الصدى المتردد في السماء وفي البقاع والفضاء، ذلك المتسع لكل الأشياء الموجودة في الكون، بدء بالشموع التي تحرق دقائق الليالي الباردات، وصولا إلى

 



وحده الصدى المتردد في السماء وفي البقاع والفضاء، ذلك المتسع لكل الأشياء الموجودة في الكون، بدء بالشموع التي تحرق دقائق الليالي الباردات، وصولا إلى الشمس الحارقة، ثم إلى الكواكب الأكبر في علوم لم يدركها الإنسان بعد، وإلى الأبعد من ذلك إن وجد، ولكل شيء مفتاح، والمفتاح أصل الصدى، ذلك المتردد وسط أقفال لا حيلة فيها لأي مخلوق عليها، وعلى سبرها لأي احتمال مهما بلغ في ملكوت العلم العظيم…
وحده الغوص فيما وراء الأصوات، بدء بالطبول المقرعة في ساحة التهافت، وصولا إلى الإنفجار العظيم، ذاك المحتمل كل حين وآن، ثم إلى التركيز الروحي لانتقال الأرواح من عوالم إلى أخرى، في غياب كلي، والمؤدي من المتاهة إلى الأخرى، واللا نهاية هي الاحتمال الوحيد للنهاية، تلك التي لا يدركها أحد، إنها الأصوات بكل لغاتها، وفي أبعادها الهمسية والمدوية المدمرة…
كل الأشكال الهندسية الصغيرة جدا ذات أبعاد غير متناهية الصغر، هي أصل هذا الإزعاج الكوني الصاخب، المعقد التركيب، نتيجة البناء الذري الأولي، حيال كل الأشياء التي نراها تتدحرج وتتمايل، وتقف وتتسكع أمامنا، منها من نستطيع السيطرة عليها، ومنها المستعصية التي تستدعي بعدا زمنيا آخر في المستقبل الآتي، ومنها أيضا الخفية التي لم يدرك بعدها الإنسان بعد…
إن وعي الإنسان بحقيقة المثلث النفسي، أشبه ما يكون رمزيا بأضلاع برمودا الجسد الذي يبتلع كل المجسمات، وينتصر لعالم الغرقى احتفالا بالموت، كأهم موضوع يمكنه أن يسجل صدى الأحداث البشرية، ويحولها إلى الموضوع الفلسفي، في عالم برزخي يتحمل كل الأصوات بدءا بأول خلق في الكون، إلى أصغر ذرة تتأرجح بحثا عن حلول للمستحيلات العظمى، وبخصوص هذه المستنقعات الغرائبية، فهي محور الأصوات التائهة والتي لا يفهم الإنسان لغتها وجوهر معانيها، وهي تظل محتفظة في أجوافها الغامضة بكل الأشياء النفيسة والباهضة الثمن، كيف لا وهي من أخذت صراخ البشر الذين لم يكونوا يتوقعون ذلك المصير المفاجئ، ومع مرور الزمن يجدون أنفسهم طعما للابتلاع الخفي في عالم لا حقيقة فيه، إلا في انفس الغائبين الذين أخذهم ذلك المثلث إليه، دون أن يترك لهم الفرصة لكي يسجلوا ألمهم وعويلهم الأخير ذلك..
في ذلك العالم الخفي، كل الاحتمالات واردة، باعتباره عالم يستجمع كل ألوان الصخب والهيجان النفسي، رغبة في البقاء بالعالم المألوف الممل…
إن تلك الأنفس الآن، هي من تستمتع بعوالمها تلك، تتنعم بموسيقى الأرواح المنتقلة إلى عالمها كل حين، وفي حركة لا متناهية من الجذب، تنسجم فيها الأرواح مع بعضها البعض في سوريالية وإبداعية لا مثيل لها، تتلاقح الأصوات وتنبسط على إيقاع النفائس والدرر الكونية المنغمسة في ذلك المكان، وعبر السنين الكثيرة والمتراكمة، يخاله هذا الإنسان البليد والذي لم يجرب عملية السقوط تلك…
فكل الأشياء التي تلاحق حياتنا وأصبحت تتعايش معها بأحجامها الضخمة والمتطورة سرعة ودقة، في اختراقها للسماء كالطائرات، أو تلك التي تغوص في الأرض وتقوم بشق أوجاع الأرض وكسر الأوتاد العملاقة من أشجار وجبال، فهي لا تمثل في عالم الروح إلى جزيئات صغيرة تتحطم بمجرد إحداث صدى واحد موجع للذات التي تنتقل في أبهاء العوالم الجديدة اللا متناهية الأفق، فهي الآلام التي لا يقوى السيطرة عليها إلا القمع البشري، وفي حدوده الوجودي المتمثل في الأرض كفضاء لجرائم الكون، لكنها في النهاية ترحل منتقلة بآهاتها إلى العالم الذي يتردد فيه الصدى عبر آلاف السنين، بحس آخر غير ما نعرف، لأن كل الذوات التي رحلت، فهي ناجحة في كتم تلك الأسرار الغريبة التي تتحملها ولو استدعى منها الأمر ملايين السنين، وتحس بالسعادة، لأنها تخلصت من مكيدة وبطش الإنسان…
هذا الإنسان الغريب حقا، يحجب أفكاره وتصوراته بمجرد الانتقال إلى عالمه الأخير، وبذلك يفنى بكل عقده وآلامه وصرخاته، إن حالة الموت، صفة أنانية تعز فيها الأفكار، وتكون ضائعة على البشرية التي بقيت على وجه الأرض، وكأنها لا تستحق معرفة المزيد، إذاك يبقى التحرر من براثن الوهم والعيش بسلاسة وحرية، إنما يتجلى في العالم الآخر، الأكثر تحررا والأكثر انزياحا عن الكثير من العقد، ويبقى السؤال الجوهري الاصلي، هو:
"هل يمكن للإنسان أن يسجل ألمه وعويله الأخير في عالم لا حقيقة فيه…؟ والحقيقة الوحيدة فيه هي وجود الله الخالق الأعظم..؟"
إن للإنسان الحرية المطلقة نفسيا، أن ينظر إلى حجم الشمس ويتلذذ بها كفضاء آخر يعبره بخياله وبصره المحدود، إذ يتوقف كل إنسان عند حدود معينة التفكير، ولا سلطان له على اختراق العوالم الخفية، لأن ذلك عالم يستعصي على العامة، وعلى الخاصة حق السؤال بطلب المعلومة، والغوص بذلك في الكتب الحقيقية التي لا تقبل التحريف، بصفة، صفة في الإنسان..
ما يسري على الشمس، يتطابق مع الكواكب الأخرى، فلكل منها وظيفة يتقنها، بتدبير محكم، لا يستطيع تجاوز مهامه، إذ لكل عالم كوكبي حياة خلصة، لم يمسها سوء، بمعزل عن البشر، هذا الذي يدمر كل شيء، بأفكاره وخبثه…
أما عالم الأصوات الغريبة، فهو عالم خاص، يفقد فيه الإنسان بوصلته، باختلاف الألوان والاهتزازات والارتدادات، فكل شيء في الكون، يحمل حسا، وجوديا يتفاوت مع الآخر، بنسبة خلفية تكتسب ذلك من طبيعتها كوجود أوجده الله لها…
إن هذه الاختلافات والعلامات والرموز، التي ألفها الإنسان وأصبحت جزءا منه، فهو يتعامل مع الأشياء بأصوات تدل على الشيء بعينه، فهو يشم الورود بأصوات شهيقية توصل تذوقه لمواضع الجمال في أحاسيسه، ويدق الطبول الضخمة بقوة أكثر ليجعل صوتها بتقاسيم غنائية تليق بمقام المكان، ويدخل الخيط في الإبرة بصوت هامس، يرى من خلالها زينة ملبسه و بداعة شكله، لكل حالة صوت غريب، والغرابة الأكثر أن الإنسان يتصرف في حياته كأن هذه الأشياء مسخرة له لوحده، دون أن يتمعن في شكل عقله الذي يتعامل بصوته مع هذه الأشياء بدقة متناهية الوصف، وبترتيب صوتي خيالي عظيم…
بفنية رائعة، وبجمال حسي عميق، تحيا كل الأشياء بأصواتها، وبلغاتها السوريالية، وتخلق بزوغا فكريا معينا في الذوات الأخرى،
إنها أصوات متناسقة تهتف بخلود رباني، يقع فيها الاتزان، وترحل فيها القلوب راحلة مستلهمة لهذا الكون الفسيح والغريب…

- الولايات المتحدة الأمريكية -


 
حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x