مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

دبلوماسية القبيلة (لجنة الصلح وفض الخلاف) - البكاي كمال كمال



كانت العلاقات الاجتماعيه قديما أوثق وأكثر تماسكا من علاقات اليوم. مبنية على الحب والتضامن، والغيرة والإيمان بواجب الفرد تجاه القبيلة والقبيلة تجاه الفرد. ومن جملة ما كان يزينها، حرص الأولين على استقرار الأسرة وبقائها آمنة ضد الزوابع التي يمكن أن تهددها وتجعلها عرضة للتفكك، لما لها من أهمية في الحفاظ على تماسك لحمة المجتمع المصغر (القبيلة) من جهة، وصونه من الأمراض التي يمكن أن تنخر جسده من جهة أخرى، ولتحقيق هذا المطلب، أوجدوا  طريقة فريدة من نوعها، قلما تجدها في هذا الزمن الموبوء المقدس للأنا، المغلب مصلحة الفرد على مصلحة الجماعة، بسبب الأنانية المفرطة، والعناد المبالغ فيه.
هذه الطريقة الحكيمة، كانت تقوم على جبر الخصام الذي يمكن أن يقع بين الأزواج، بسبب ما قد ينزغ الشيطان بينهم ساعة الغضب، حيث تقدم  بعض نساء القبيلة وكن من ثلاث إلى خمس، على زيارة أهل الزوجة الغضبانة من أجل إرضائها والعودة بها إلى بيت الزوجية، بعد أن يشربن الشاي ويأكلن الكسكس بالقرفة والبيض المسلوق والعنب المجفف، على وقع حديث شيق لا يخلو من متعة، فلا كعك ولا حلوى في ذلك الوقت، ومما كان يسهل عمل اللجنة ويسهم في نجاح مهمتها، تعاون أهل العروس مع أفرادها وحسن الإصغاء لهن، لمكانتهن في قلوب الأهالي، فكان اللقاء في الغالب ينتهي بالموافقة على قرار العودة بالإجماع، فمصلحة الزوجة والأولاد فوق كل اعتبار، ولا مجال للحديث ها هنا عن الكرامة والكبرياء، فلا مكان يسعهما عندما يتعلق الأمر بالصلح بين الزوجين، وهذا موقف حميد، بتنا نفتقده كثيرا في هذا الزمن الذي أصبح فيه بعض الآباء يسعون بأنفسهم في خراب بيوت بناتهم، بسبب عجرفة زائدة، أو عناد فارغ من معنى. فالزوجة في عرف شيوخ وعجائز الزمن الغابر، لا يمكن أن تبيت في منزل أهلها وهي غضبانة، إلا إذا كان الأب غائبا عن البيت لسفر، وإلا فإنه يرجعها إلى بيتها ساعة وصولها، أو ينظر قدوم من يأتي من أهل زوجها لاصطحابها، فاذا ما بقي الزوج على عناده، فإن  الأب يرجعها حتى ولو كانت مظلومة وعلى حق، إذا كانت الخصومة بسيطة ولا تستدعي تدخل اللجنة، أما إذا كانت الخصومة من الدرجة الأولى، فإنه يستقبلها بيته ثم يسمع شكواها، في انتظار تحرك دبلوماسية القبيلة لتحقيق الصلح. ومن المشهور لهن في هذا المجال، جدتي الزهراء الملقبة بالطبيبة، وجدتي مختارة، والخالة فاطنة، رحمهن لله. فكم من الأعشاش لولا فضل الله ثم حسن سياستهن وتدبيرهن، لكان مصيرها التفكك والشتات، والكل يعرق آثار الطلاق، وما ينجم عنه من نتائج وخيمة، ولا سيما على الأطفال.


- المغرب -

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x