كبعض المتفائلات،كنت أريد أن أدخل نفسي مختبر السرور.ان أخوض معها معركة شرسة مقاومة للألم،بمتعة تجول إنفرادية،فرارا من سجن العمل الذي دام أسبوعا بالكامل.
لبست بذلتي الرياضية،حمل رأسي قبعته القصبية،وعيناي تحملان نظارتي الشمسية كي أحارب شمس آذار الفضولية ،.
أمشي..أمشي.....
فجأة وجدت نفسي محشورة وسط حي العطارين،وبجنبي بعض من المتبضعين.لم أدر كيف وطأت رجلا ي هذه الوجهة؟؟؟؟؟.
ألعلني كنت تواقة للتمتع بشتى البضائع المعروضة؟؟؟؟؟.
ما اروعها من روائح.خزامى،ورد،قرنفل.روائح التوابل استنشقها أعطس ويفر رذاذ أنفي في كل أتجاه أين المنديل الورقي .ادخل يدي في جيبي ..لا وجود له.....وهاهي روائح المسك فارة من طاولة إحدى الإفريقيات مع مراهم لتخفيف الآلام...صور هنا وهناك البومات لأشكال شتى من"الراستات".دبابيس ملونة،رموش اصطناعية،أظافر بلاستيكية.وقفت أتأمل البضاعة. وآناي الحالم متحفزا بتغيير شكلي ،بدأت اهتمل:ماذا سيحدث أن واجهت تلاميذي بمظهر مختلف؟؟؟؟.من حقي تغيير مظهري بمظهر يروق لي...لكني تراجعت..لا..لا...المجتمع لايؤمن بحرية الفرد.خصوصا وضعي الإجتماعي.ونشاطاتي،قد اصير هزأة للبعض.ويتخذني الآخر أضحوكة.. عندما أضع رموشا كثيرة واظافر بلاستيكية كباز يبحث عن طريدة...تبا لأحلامي الساذجة.
هناك على بعد أمتار رجل ستيني،يضع أمامه سطلا مملوءا بنخاريب العسل،وقفت امامة.كان كريما ناولني ملعقة صغيرة مملوءة عسلا كي اتذوقه.-وهو يقول:إنه عسل حميت...صدقيني...انا معروف باسم العسال.حرفة الأجداد..إييييه..."حرفة بوك ليغلبوك..."،ما إن تذوقت جزءا منه حتى فاض الملتحد لغطا وضجيجا،هرجا ومرجا...
بسرعة برق خاطف صار الهدوء زوابعا،شاب هزيل برعابيل ملونة،يهلوس بكلمات غريبات تارة وأخرى يغني اغنية بلحن هندي باكيا،يرتسم على محياه تمزقا ملحوظا،،ماهي إلا دقائق معدودات حتى بدأ يدور على عقبيه مصفرا،في غمرة الربكة.والضجيج انقلبت عربة الفراولة.البائع كان مفتول النظرات عريض المنكبين .قصير القامة يزمجر كنمر إفريقي،بقربه بعض المتسولين الذين نعموا من بؤسه،..البائع يسب هائجا متمردا..
-يا لك من "ميكروب".....ها الميكروب جاء..هاهو.اقبل..سير الله ينعل اللي رباك...وماداواك.......
ما إن تناسيناك....وها انت تذكرنا بالأيام المشؤومة معك.....
بقربه شابة تمراحة تلعابة،طلي جلبابها العنبري باللون الأحمر القاني،تصيح مغتاظة...سحقالك.وغد لئيم...عدت من جديد...
يا إلهي..!!!
الشاب تضاعفت قوته.بكمال حمقه .وعتوه الملحوظ،بدأ يرمي بالبضائع المطروحة ارضا،ولم يجرؤ احد للامساك به....
يا ربي...!!!!.
مشهد مروع..صراخ..استغاثات...استنجادات.. هاهو يلقي شيخا منهوك اللسان أرضا.-متمتما:من...ف..ف..ع..ل....بي...ه...ذا...هذا....
المخبول يرقع يدية العملاقتين-قائلا:اصمتي وإلا كانت اللحظة آخر ايامك ...
بدأ ينزع ملابسه،صار صدره عاريا،يرمي بحروف لا معنى لها،فجأة تحول إلى ملاكم وسط حلبة صراع،يقصف بكلمات يمينا ويسارا،شرقا...وغربا.... يصارع الفراغ كبطل من أبطال إسبرطة الغابرين..
زرافات من البشر مكدسين تحت مظلة دكان .والبعض الآخر فر مذعورا...
يا رحمة من السماء أين اختفيت؟؟؟؟؟.
حتى انا بلغ هدوئي سن اليأس الخالص، ترى أين فتائل الصمود لأتمسك بها؟؟؟؟؟؟.
كل الأفواه تصيح في وجهي...اهربي..اهربي...صحيح امرأة عاصية انت...فري..فري..سيعنفك..ألا تسمعين.؟؟؟؟..هلا سمعت..!!!.
بائعة الخبز بجانبي تولول:ويلي...ويلي..كل الويل لك انت..ماذا تنتظرين..؟؟؟.سيهشم راسك،أتظنين نفسك امرأة حديدية؟؟؟.؟.
رابضة فوق أسوار رباط جأشي..،المخبول يحدد النظرإلي محدقا،وجهي صار ساكنا سكون الموت،لا زلت واجمة أمام بائع العسل ،الذي يستجمع بضاعته كي يلوذ بالفرار،طنين نحلات أثقل سمعي.وخشابات البشر تنتظر المفاجأة..
لقد تحول المعتوه من ملاكم إلى صياد ماهر.ألعله يصطاد الفراغ..؟؟؟؟؟..
آيا امي...آيا امي....يا أحبائي...ياجيراني...!!!!
إنه يقترب مني قائلا:هاهي محبوبتي...تعالي...محبوبتي....وأخيرا وجدتك..آه من الفقد...
العرق متدفق من وجهي،دقات قلبي في تسارع.خداي طليا بلون الزعفران......
ثم بدا يردد:بنت لحرام...بنت لحرام...
هل يشتمني؟؟؟؟
ارتعد.اهتز كورقة جاحدة فارقت عطف الاشجار....
ترى لماذا خرجت وحيدة؟؟؟؟.يا يوم لو بغيرك درجت..هنا.!!!.
دهشانة.حائرة،انتظر عاقبة أمري.. هاهي يداه تقترب مني....ما أن أراد أن يضعها فوق كتفي حتى طارت النحلة التي كان متاهبا لأصطيادها....
تركني مصدومة من هول مارأيت.وسمعت،تبعها مرددا...بنت لحرام..بنت لحرام....هذه محبوبتي..آه محبوبتي.....
ثم بدأ يطقطق بيديه كعقاب تضم جناحيها،مضغة العسل الحلوة صارت مرة وسط حلقي،كمذاق الشوكران.....
بكل هلعي اتاملك مدينتي....آه....مدينتي....آه وطني انتحلت ملامحك كل العتاهة والحمدق والجنون؟؟؟؟؟
لماذا تعطل مشروع بناء اكبر مستشفى للأمراض العقلية والنفسية.. .
لماذ ينهبون اموالك؟؟؟
لماذا يسرقون هدوءنا؟؟؟
رجعت اواصل مشيي بتؤدة.من حيث أتيت.اتامل الشوارع،مابين مخبولومخبول.مجانين....معتوهون...عراة...تتلبد. الأوساخ على جلودهم،حاملة آلامهم وآلامي بين ضلوعي.....
مرددة"هذا حظنا من زمن القهر،والغلاء الفاحش،.
-قهر بيئي.من احتباس حراري..
وقهر"متلازمة الجيب الفارغ"..
قهر صحي"ورقة الرميد لاتفي بالمطلوب"غلاء الماء.الكهرباء..الدواء.......
آه مدينتي..!لو تدركي كيف يتألم سكانك،وسط سهل غرب منبسط متنوع الثروات......
آآه مدينتي،أيسرك أن أعود مضطربة خائفة محطمة....
أين اخشاب اشجارك ......
رمال بحرك....
واسماكك......أين نصيبنا من كلا الثروات...لا شيى...لا شيى....سوى الهلع..والبؤس..والاحتياج...
عدت منكسة الرأس كاقحوانه مفلجة برياح الزوابع الرعناء،ولا زلت احتفظ بملامح الشاب وتقاسيم وجهه الجميلة.....
ما أفظع يومي!!!وحالته الصحية.وهو يعاني شقاء الفقر والمرض.متحرقا على سرير الضعة والهوان.. ..كسائر الراقدين فوق اشواك الضياع......
صباحا توجهت لعملي،دخلت قسمي صائحة:هيا ...هيا..يا جنود الغد.جميعا ...صاحين أمام علم البلاد"ما انبت الاحرار ..مشرق الانوار...منتدى السؤددوحماه......".اهملت:آلاتسمعنا يا وطن....لا زلنا أوفياء رغم الوهن.....
- المغرب -
