مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

شيطان من جحيم دوستويفسكي - مالك عجيب

نادرة هي الشخصيات التي لا يمكن وصفها باللافتة التي تطالعنا في أعمال دوستويفسكي، وهو الخبير الذي لا يشق له غبار في خلق الشخصيات الفذة غير النمطية

 


 - ستيفان الذي يشبهنا
نادرة هي الشخصيات التي لا يمكن وصفها باللافتة التي تطالعنا في أعمال دوستويفسكي، وهو الخبير الذي لا يشق له غبار في خلق الشخصيات الفذة غير النمطية والتنقيب في دواخلها، من بين كل ذلك الحشد من الشخصيات اللافتة التي تعج بها أعمال الأديب الكبير استوقفتني بل وأثارت انبهاري تلك الشخصية الفذة في روايته الشهيرة (الشياطين)، إنه ستيفان تروفيموفتش فرخوفنسكي، تلك الشخصية التي ألمح دوستويفسكي إلى قيمتها وأهميتها حين نوّه بها في سطور الرواية الأولى بقوله:
(حين أشرع في سرد قصة الأحداث الغريبة التي وقعت في مدينتنا - هذه المدينة التي لم تتميز بشيء يومئذ- فإنني أجدني مضطراً أن أتقهقر قليلاً إلى الوراء، أي أن أبدأ بذكر بعض التفاصيل عن حياة ذلك الرجل الموهوب المحترم المبجل ستيفان تروفيموفتش فرخوفنسكي، إن هذه التفاصيل لن تكون إلا مدخلاً إلى القصة التي ننوي أن نرويها).
هذه المقدمة تشي بأن ستيفان تروفيموفتش فرخوفنسكي هذا هو بطل الرواية الأوحد ولكن القارىء سرعان ما سيلاحظ الصفات اللانمطية لهذا البطل، إنه بطل سلبي حيادي لا يكاد يحظى بأي دور فاعل في رسم خط أحداث الرواية التي تدور أحداثها من حوله بينما يبدو هو مواكباً لها بخط مواز شبه منفصل أحياناً عن الخط الرئيسي للأحداث، شخصية تفتقد تلك الجاذبية التي تشدنا إلى راسكولينكوف بطل الجريمة والعقاب، وتعوزها تلك الحيوية التي تشدنا إلى أليكسي إيفانوفيتش بطل المقامر، ولكنه مع ذلك هو بطل بكل معنى الكلمة، بطل من طينة أخرى مختلفة، من فمن هو ستيفان هذا الذي أصرّ مبدعه على تقديمه مدخلاً إلى القصة؟
ستيفان بالعموم هو ذاك الشخص الذي يعتبر نفسه بل ويؤمن كل الإيمان بأنه مختلف عن الآخرين مهما بدت حياته مشابهة لحياة الكثير ممن يعيشون حوله ويرفض أن ينظر إليه على أنه مجرد واحد منهم، ستيفان هو ذاك الشخص الذي يدرج نفسه في عداد المثقفين وبالتالي فعليه أن يعاني شعوراً مزمناً بالاضطهاد والظلم، ويطيب له أن يعتبر نفسه مُلاحقاً أو على الأقل مُراقباً من قبل السلطة وأجهزتها وأعوانها، هو يعتبر نفسه مثقفاً بل ورجل علم أيضاً ليس بالنظر إلى ما أنتجه وهو الذي لم ينتج شيئاً ذا بال أو ربما لم ينتج شيئاً البتة، بل بالنظر إلى مشاريعه الأدبية والعلمية التي ينوي إنتاجها بعد أن وضع عناوينها وخطوطها العريضة، ولكن ظروفاً قاهرة كانت تحول على الدوام بينه وبين إنجازها وتحقيق طموحاته الأدبية والعلمية، وربما هو مثقف لمجرد أنه تلقى تعليمه في (الخارج) وألقى بعض المحاضرات في إحدى الجامعات، وربما هو مثقف أيضاً لأنه يتقن الحديث باللغة الفرنسية حيث يحرص على إقحام كلمات وجمل منها في حديثه بمناسبة وبغير مناسبة حتى في لحظات احتضاره، أما الحدث الحقيقي الوحيد الذي يكن أن يمت للثقافة بصلة في حياته فهو أنه قد نظم أيام شبابه قصيدة يتيمة موغلة في الرمزية والإسقاط فتداولتها الأيدي واعتبرها البعض في ذلك الوقت - وأولهم صاحبها بطبيعة الحال- خطرة من حيث أنها تنتهك الخطوط الحمراء وتقض مضاجع السلطات، ولكن حين يعرض عليه صديقه (راوي القصة) نشرها بطريقة شرعية مؤكداً له بأن نشرها لن يشكل أي مصدر تهديد أو إزعاج له نرى مؤلفها الثائر يرفض العرض بشدة معتبراً أن الكلام عن عدم خطورة القصيدة هو انتقاص من قيمتها وقيمته هو شخصياً، وهذا ما تأكد يقيناً لما وجدت هذه القصيدة طريقها للنشر بطريقة ما في الخارج - دون علم مؤلفها – فكانت النتيجة خيبة أمل مريرة أصابت صاحبها من عدم اكتراث السلطات بها.
وستيفان هو ذاك الشخص الذي يعتبر نفسه نبيلاً ليس كصفة أخلاقية سلوكية وهو المقامر والسكير والكذاب أحياناً، بل كانتماء طبقي مزعوم، ويحرص على إضفاء هذه الصفة على سلوكه وعلاقاته وحديثه رغم أن نبالته المزعومة هذه تكاد تكون مستمدة كلياً من تلك العلاقة الغامضة التي جمعته بالنبيلة فرافارا بتروفنا ستافروجين التي لسبب ما تبنته وتكفلت بإعالته وقدمته للمجتمع الكخملي بعد أن عهدت إليه مهمة تثقيف ابنها الوحيد والإشراف على تنشئته الفكرية بصفته عالماً من علماء التربية رغم علمها بتجربته المخزية في هذا الصدد حيث أنه كان قد سبق له وتنصل من واجب تربية ابنه الوحيد وتخلى عنه بأنانية بغيضة، وهنا يمكننا أن نلمح طيف جان جاك روسو حيث التباين الفجّ مابين السيرة الذاتية والأفكار المثالية، وما يعنينا في الأمر أن صاحبنا قد رأى على ما يبدو في تلكا السيدة النبيلة التي كثيراً ما كانت تعامله باحتقار ملهمته التي لا غنى عنها لاستكمال صورة تميزه، بل نراه يضفي على علاقته بها مسحة أفلاطونية فيها شيء من الدونكيشوتية وبعض المازوخية التي تبرر نوبات الاكتئاب التي كانت تصيبه والتي كان يطيب لملهمته أن تسميها(نوبات حزن حضاري) فيعزم على الانتحار كلما لمس فتوراً من قبلها تجاهه.
باختصار..إن ستيفان هو ذلك الشخص الذي يدرك عيوبه ونقائصه إدراكاً تاماً بل ويقرّ بها أحياناً ولكن إدراكه هذا يتجلى بطريقة عكسية على نظرته إلى نفسه وتقديره لذاته ، نموذج فريد أراد به مبدعه تسليط الضوء على خليط من الصفات والتناقضات الإنسانية المعقدة مجسّدة في كيان واحد فكانت النتيجة وليمة فاخرة لهواة رصد خفايا النفس الإنسانية وتناقضاتها، وكأني بدوستويفسكي يخاطبنا من خلاله قائلاً :
أمعنوا النظر جيداً.. أليس في داخل كل منكم ستيفان تروفيموفتش فرخوفنسكي ؟


- سوريا -

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x