في شارع فرعي من حي مظلم، تركني كسيرة ورحل، لم يقبل بالحقيقة عندما رفعتها في وجهه خائفة: "أظنني حامل"، فرد بما يشبه الذعر: "ماذا؟!" ولما أجبت على سؤاله بعينين مغرورقتين بالدموع، همس قائلا: "حسنا اهدئي..." دار كلام آخر بيننا، لكن هذه الكلمات الأخيرة هي آخر شيء انطبع في ذهني من كلامه بعد مرور خمس وعشرين سنة من تلك الليلة، انقضت بعد ذلك اليوم آلاف الليالي وتبعتها آلاف من النهارات، ولكن ليلا من نوع آخر ازداد حلكة منذ ذلك اليوم، تظاهرت في منزل والدي بأني أعاني مرضا عاديا، دوار وغثيان يتبعه قيء مؤلم، ظللت أسوف زيارة الطبيب شهرا بعد شهر لمفاتحته في أمر الإجهاض، إلى حين يوم ظهر النفخ في بطني بشكل جلي، فاكتشفت أمي أولا وسعيدة أختي أن ما ظهر على بطني ليس انتفاخا عاديا، وإنما هو حمل، شقت أمي جيوبها وصرخت في وجهي حتى بح صوتها لشدة الألم، ولكني كنت ميتة القلب لا أحس بشيء، كنت أعتبر نفسي حينها أني توفيت منذ زمن بعيد، وهذا الذي يحصل لي ليس سوى كابوس وهمي، وعندما كانت لا تفلح هذه الطريقة في تجنب الألم، كنت أنفصل عن نفسي وأنظر إلى مشكلتي وكأنها مشكلة شخص آخر، إزاء صراخ أمي وسبابها، أختي سعيدة التي كانت تحقد علي قبل الحادثة؛ لأني أهمل أشغال البيت ولا أساعد أمي التي كبرت سنها وتعاني تصلب المفاصل، حيث تبين أن ذلك الحقد لم يكن حقدا وإنما كان مجرد لوم قاس، قررت الاهتمام بي وبالجنين في بطني، لحسن الحظ أن والدي توفي منذ سنتين، وبموته جنب نفسه الشعور بالألم والعار الذي جلبته لهذه الأسرة، أما منصور الذي لم يحتمل ثقل النازلة، هجر المنزل، وقطن مع أصدقائه في الكلية في منزل استأجروه هناك، كان لأصدقائه سببهم في استئجار المنزل، فهم بعيدون عن مدنهم وقراهم، أما هو فلم يستأجر المنزل معهم ويتحمل مصاريف الأجرة من المنحة الهزيلة، إلا ليهرب من الجحيم الذي خلقته في المنزل، ولكني لن أنسى نظرته المثقلة بعتاب لا تستطيع الكلمات حمله، نظرته تلك كانت أشد وقعا على نفسي من صراخ أمي وسبابها العنيف.
عند مرور تسعة أشهر من قوله: "ماذا؟ حسنا اهدئي..." عاجلني المخاض في الخامسة فجرا، نقلت للمستشفى في سيارة جارنا مسعود، ولدت لي في المستشفى رانية، كانت طفلة ضئيلة الحجم، يميل جلدها للأسود المشرب بزرقة خفيفة، أخبرتني الممرضة أن الطفلة جميلة وفي صحة جيدة، ضممتها إلى قلبي بعد أن نظفت؛ فنسيت بتلك الضمة كل الوجع السابق... رأيتها تمر بأطوار النمو على عيني، سقيتها حليبي كما تسقى نبتة بماء عذب من بئر قريبة، ومع حليبي كنت أرضعها حقدي الذي كان ممزوجا بدمائي، أذكر أنه عاد يجر أذيال المسكنة بعد ستة أشهر من ليلة المخاض، عرض علي الزواج، فرفضت لأني كنت ميتة، شعرت بشيء من دبيب الانتصار يسري في داخلي منعشا لذيذا، ولكنه سرعان ما تبدد، ومهما حاولت للمرة الثانية استخلاص ذلك الشعور المبهج لم أنجح، طفلته تنمو نمو زهرة بالقرب منه، ولكنه محروم من تنسم شذاها العطر، محروم حتى من ضمة دافئة، من الذي ينبغي عليه أن يهدأ الآن؟ أخبرتني أختي سعيدة أنها كانت تصادفه كثيرا يمر من قرب باب منزلنا، ولكنها انتبهت أن ذلك المرور لم يكن صدفة بعدما كثر منه، في الأيام الأولى كان يمر ولا يلتفت ولكنه بعد ذلك كان يتمهل عندما يصل إلى محاذاة المنزل ويرفع رأسه لطوابق المنزل يتلصص بالنظر، في إحدى المرات تَقَفَّا أثر سعيدة عندما كانت ذاهبة للسوق، ولما ترجاها للوقوف والاستماع إليه رقت له فوقفت، التمس منها اصطحاب البنت معها في أحد الأيام وتمكينه منها ليشمها ويضهما ولو ضمة واحدة، انصدمت سعيدة لهذا الطلب، ورفضت رفضا باتا ثم انصرفت مهرولة فارة بجلدها وقد انتابها الخوف، عندما كنت أخرج للعمل كنت أراه مستندا للجدار المقابل لمنزلنا، شاحب الوجه، بارز الوجنتين، هزيل الكتفين، رث الثياب، لم يكن يجرؤ على الاقتراب مني، وبمجرد ما أرفع بصري نحوه يشيح بعينيه المطفأتين، كنت أعمل بجد في منازل الأغنياء، فأصبحت أوفر قدرا محترما من المال لإعالة أمي وابنتي وأساعد أحيانا سعيدة عندما يتوقف زوجها عن العمل، وبذلك اكتسبت احترام الجميع، ونسيت أمي العار الذي جللتها به قديما، أضحيت رجل المنزل القوي! وكانت كلمتي تلقى اهتماما ويعمل لها ألف حساب، في أيامي للخروج للكدح اعتدت ترك رانية مع جدتها، وكنت أشدد على أمي أن تحرص على عدم إخراج البنت للخارج أو تركها تحبو عند عتبة الباب أو إغفال الباب الخارجي مشرعا، فالبرغم من ضعفه وهزاله وحديثه المستمر مع نفسه بصوت مرتفع، كنت أخشى من نوبة حماقة تنتابه فيندفع للداخل ويخطف البنت إلى حيث لن أعلم، ظل يقف عند ذلك الجدار مسمرا صيفا وشتاء، ولم تمر إلا ثلاث سنوات على قوله لي في ذلك الشارع الفرعي من الحي المظلم: "ماذا؟! حسنا اهدئي..." حتى أصيب بداء الرئة لإفراط التدخين وتعرضه للبرد في ليالي الشتاء القارسة، بالإضافة إلى سوء التغذية، وفي أحد الأماسي الصيفية، داهمته نوبة إغماء فسقط عند الجدار، تجمهر حوله أهل الحي وبعض المتطفلين، وبعد نصف ساعة من الاتصال بها، كانت الإسعاف قد وصلت، في اليوم الثالث صحا من غشيته وبدت عليه ملامح الانتعاش، ولما غربت الشمس انسدلت دمعه حارة على وجنته وهو مستلق على سرير المستشفى، ولما لم يجد يدا يمسكها، اعتصر الرجل المعدنية السرير براحته ثم فارق الحياة، صامتا مريضا مهجورا.
انزاح عن قلبي منذ ذلك اليوم عبء ثقيل، ولم أعد أخشى على طفلتي، ولكن الحقد الذي رضعته مع حليبي تحول ليصبح مع الزمن اكتئابا حادا، نما الداء في صدرها الصغير بعزم وإصرار كما تنبت نبتة ضارة، ومهما حرصنا على جزها عند الأطباء رفعت في وجهنا شعار التحدي ونبتت من جديد في ناحية أخرى أكثر عزما وأشد ثباتا، انتظر الداء خمسا وعشرين سنة من قوله: "ماذا؟! حسنا اهدئي..." ثم في يوم صباحي ملبد بغيوم رصاصية، عثرت على شابة في ريعان شبابها معلقة في سقف الغرفة المجاورة لغرفتي، لم أعرف من تكون الفتاة، ولكن أمي وسعيدة وبعض الجيران ما زالوا منذ عشر سنوات يؤكدون لي أن تلك الشابة لم تكن سوى رانية.
- المغرب -
