لقد شغلت الاستعارة حيزا كبيرًا من اهتمامات المفكرين، والبلاغيين والنقاد، وقد أصبحت بذلك محط أنظار لدى مختلف التوجهات والتخصصات ، فكانت مجالا خصبًا، نظرا للدور الذي تؤديه في نقل معاني النص باعتبارها ركيزة أساسية من ركائز البيان، وركزت الدراسات البلاغية القديمة في دراستها لظاهرة الاستعارة على مستوى اللفظ، ولم تتجاوزه إلا مع الجرجاني الذي أسس لنظرية الادعاء، فأصبحت الاستعارة حينها تفاعلا بين لفظين، بل بين معنيين، لا يفرغ فيهما اللفظ من دلالته الأصلية، بل يكتسب، بالإضافة إليها، معنى جديدا ينقله من معناه الأصلي ليضيف إليه معنى جديدا.
لقد مرالدرس البلاغي العربي بمراحل تطورية مختلفة ؛ فقد بدأ بالملاحظة الجمالية الفطرية ، ثم راح يتطور بتأثير عوامل مختلفة لعلّ أهمها العامل الديني و الرغبة في بيان الإعجاز القرآني ، حتى ازدهرت المؤلفات البلاغية بجهود بلاغيينا الأفذاذ ، ثم انتقلت علوم البلاغة إلى مرحلة التنظيم و التبويب على يد السكاكي ( - ٦٢٦ ه ) في مفتاحه . بعد ذلك توقف الدرس البلاغي عن النمو و التطور بسبب الظروف التاريخية السيئة التي مرت بها الأمة العربية ، والتي أثرت سلبا فًي إنتاجية الفكر العربي ، فبقي هذا الدرس في حالة كمون معرفي يفتقر إلى وجود العقل النافذ و الفكر المبدع و الإحساس المرهف لاستخراج كنوزه و خباياه ، فجاءت معظم المؤلفات البلاغية بعد مفتاح السكاكي إعادةً و شرحا وً تلخيصاً لما سبق دون أي ابتكار أٍو تجديد. وبقي الأمر على هذه الحال حتى بداية النهضة العربية في العصر الحديث ، فقد عني العرب بنشر التراث البلاغي و تحقيقه شأنه في ذلك شأن بقية كنوز التراث ، وكان لزاماً عليهم أن ينتقلوا إلى الخطوة التالية بعد إحياء التراث وهي الانكباب على هذا التراث بحثاً ودرساً و تفسيرًا و تقويماً بموضوعية وعلمية بعيدًا عن الشعور العاطفي و تمجيد الأسلاف ، وذلك من أجل اصطفاء الإيجابي منه ، وتطوير هذا الموروث البلاغي الإيجابي اعتمادًا على الدراسات الحديثة في ميادين اللغة و البلاغة و النقد بما يتلاءم و حياتنا المعاصرة .
أنواع الاستعارة: الاستعارة التصريحية: وهي ما صُرّح فيها بلفظ المشبّه به وحُذِف المُشبَّه، ومثالها وَصف أعرابي لأخيه قائلًا: "كان أخي يُقري العين جمالًا، والأذن بيانًا"، حيث شبَّه إمتاع العين بالجَمَال، وإمتاع الأذن بالبيان بقرَى الضّيف، ثمّ اُشتُقَّ من القِرى يَقري بمعنى يُمتِع على سبيل الاستعارة التصريحية، والقرينة جمالًا وبيانًا.
الاستعارة المَكنية: وهي ما حُذِفَ فيها المُشبَّه به، ورُمِزَ له بشيء من لوازمه، ومثال ذلك قول أعرابي في المدح: "فلانٌ يرمي بِطرفِهِ حيثُ أشارَ الكَرَمُ"، حيث شُبِّه الكرم بإنسان ثم حُذِفَ ورُمزَ إليه بشيء من لوازمه وهو أشار على سبيل الاستعارة المكنية، والقرينة إثبات الإشارة للكرم.
الاستعارة الأصلية: تكون الاستعارة أصلية إذا كان اللفظ الذي جرت فيه اسمًا جامدًا، ومثال ذلك قول شاعر: "عَضّنا الدّهرُ بنابه"، حيث شبّه الدّهر بحيوان مفترس بجامع الإيذاء في الحيوان وفي الدّهر، ثم حُذِفَ المُشبّه به، ورُمِزَ إليه بشيء من لوازمه وهو العضّ، فالاستعارة هنا مكنية أصلية.
الاستعارة التّبعية: تكون الاستعارة تبعيّة إذا كان اللفظ الذي جرت فيه مُشتقًا أو فِعلًا، ومثالها قول قائل يُخاطِبُ طيرًا: "أنتَ في خضراء ضاحكةٍ"، حيث شبّه الإزهار بالضحك بجامع ظهور البياض في كل منهما، ثم اُستُعيرَ اللفظ الدّال على المشبّه به للمُشبّه، ثم اُشتُقَّ من الضحك بمعنى الإزهار ضاحكة بمعنى مُزهرة، فالاستعارة تصريحية تبعية.
الاستعارة المُرشَّحة: وهي ما ذُكِرَ معها مُلائم المشبَّه به، ومثال ذلك قول قائل:" خُلُقُ فلان أرقُّ من أنفاس الصَّبا إذا غازلت أزهار الرّبا"، في كلمة الصَّبا استعارة مكنية لأنها شُبِّهت بإنسان وحُذِف المُشبّه به، ورُمِزَ إليه بشيء من لوازمه وهو أنفاس الذي هو قرينة المكنية، وفي كلمة غازلت ترشيح وهذه استعارة مرشحة. الاستعارة المُجرَّدة: وهي ما ذُكِرَ معها مُلائَم المشبَّه، ومثالها قول أعرابي: "كل عمودِ قومٍ من الدُّنيا إلى هلكٍ يصيرُ"، في كلمة عمود استعارة تصريحية أصلية، فقد شبَّه رئيس القوم بالعمود فكلاهما يَحمل أساسًا، والقرينة كلمة يهلَك، وفي جملة " إلى هلكٍ يصير"، تجريد.
الاستعارة المُطلَقَة: وهي ما خلت من ملائمات المُشبَّه به أو المُشبَّه، ومثال ذلك قول أحدهم: "إنّي شديد العطش إلى لقائِكِ"، فقد شُبّه الاشتياق بالعطش بجامع التطلُّع إلى الهدف والغاية، فالاستعارة تصريحية أصلية، والقرينة إلى لقائك، وهي استعارة مُطلَقَة.
- مصر -
