مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

البلاغة العربية (الاستعارة) - محمد علي مكادي

 



لقد شغلت الاستعارة حيزا كبيرًا من اهتمامات المفكرين، والبلاغيين والنقاد، وقد أصبحت بذلك محط أنظار ‏لدى مختلف التوجهات والتخصصات ، فكانت مجالا خصبًا، نظرا للدور الذي تؤديه في نقل معاني النص ‏باعتبارها ركيزة أساسية من ركائز البيان، وركزت الدراسات البلاغية القديمة في دراستها لظاهرة الاستعارة على مستوى اللفظ، ولم ‏تتجاوزه إلا مع ‏‏الجرجاني الذي أسس لنظرية الادعاء، فأصبحت الاستعارة حينها تفاعلا بين ‏لفظين، بل بين معنيين، لا ‏يفرغ ‏فيهما اللفظ من دلالته الأصلية، بل يكتسب، بالإضافة إليها، ‏معنى جديدا ينقله من معناه الأصلي ‏ليضيف إليه ‏معنى جديدا.
لقد مرالدرس البلاغي العربي بمراحل تطورية مختلفة ؛ فقد بدأ بالملاحظة الجمالية الفطرية ، ثم راح يتطور بتأثير عوامل مختلفة لعلّ أهمها العامل الديني و الرغبة في بيان الإعجاز القرآني ، حتى ازدهرت المؤلفات البلاغية بجهود بلاغيينا الأفذاذ ، ثم انتقلت علوم البلاغة إلى مرحلة التنظيم و التبويب على يد السكاكي ( - ٦٢٦ ه ) في مفتاحه .‏ بعد ذلك توقف الدرس البلاغي عن النمو و التطور بسبب الظروف التاريخية السيئة التي مرت بها الأمة العربية ، والتي أثرت سلبا فًي إنتاجية الفكر العربي ، فبقي هذا الدرس في حالة كمون معرفي يفتقر إلى وجود العقل النافذ و الفكر المبدع و الإحساس المرهف لاستخراج كنوزه و خباياه ، فجاءت معظم المؤلفات البلاغية بعد مفتاح السكاكي إعادةً و شرحا وً تلخيصاً لما سبق دون أي ابتكار أٍو تجديد. وبقي الأمر على هذه الحال حتى بداية النهضة العربية في العصر الحديث ، فقد عني العرب بنشر التراث البلاغي و تحقيقه شأنه في ذلك شأن بقية كنوز التراث ، وكان لزاماً عليهم أن ينتقلوا إلى الخطوة التالية بعد إحياء التراث وهي الانكباب على هذا التراث بحثاً ودرساً و تفسيرًا و تقويماً بموضوعية وعلمية بعيدًا عن الشعور العاطفي و تمجيد الأسلاف ، وذلك من أجل اصطفاء الإيجابي منه ، وتطوير هذا الموروث البلاغي الإيجابي اعتمادًا على الدراسات الحديثة في ميادين اللغة و البلاغة و النقد بما يتلاءم و حياتنا المعاصرة .
أنواع الاستعارة: ‏ الاستعارة التصريحية: وهي ما صُرّح فيها بلفظ المشبّه به وحُذِف المُشبَّه، ومثالها وَصف أعرابي لأخيه ‏قائلًا: "كان أخي يُقري العين جمالًا، والأذن بيانًا"، حيث شبَّه إمتاع العين بالجَمَال، وإمتاع الأذن بالبيان بقرَى ‏الضّيف، ثمّ اُشتُقَّ من القِرى يَقري بمعنى يُمتِع على سبيل الاستعارة التصريحية، والقرينة جمالًا وبيانًا. ‏
الاستعارة المَكنية: وهي ما حُذِفَ فيها المُشبَّه به، ورُمِزَ له بشيء من لوازمه، ومثال ذلك قول أعرابي في ‏المدح: "فلانٌ يرمي بِطرفِهِ حيثُ أشارَ الكَرَمُ"، حيث شُبِّه الكرم بإنسان ثم حُذِفَ ورُمزَ إليه بشيء من لوازمه ‏وهو أشار على سبيل الاستعارة المكنية، والقرينة إثبات الإشارة للكرم. ‏
الاستعارة الأصلية: تكون الاستعارة أصلية إذا كان اللفظ الذي جرت فيه اسمًا جامدًا، ومثال ذلك قول ‏شاعر: "عَضّنا الدّهرُ بنابه"، حيث شبّه الدّهر بحيوان مفترس بجامع الإيذاء في الحيوان وفي الدّهر، ثم حُذِفَ ‏المُشبّه به، ورُمِزَ إليه بشيء من لوازمه وهو العضّ، فالاستعارة هنا مكنية أصلية. ‏
الاستعارة التّبعية: تكون الاستعارة تبعيّة إذا كان اللفظ الذي جرت فيه مُشتقًا أو فِعلًا، ومثالها قول قائل ‏يُخاطِبُ طيرًا: "أنتَ في خضراء ضاحكةٍ"، حيث شبّه الإزهار بالضحك بجامع ظهور البياض في كل منهما، ‏ثم اُستُعيرَ اللفظ الدّال على المشبّه به للمُشبّه، ثم اُشتُقَّ من الضحك بمعنى الإزهار ضاحكة بمعنى مُزهرة، ‏فالاستعارة تصريحية تبعية. ‏
الاستعارة المُرشَّحة: وهي ما ذُكِرَ معها مُلائم المشبَّه به، ومثال ذلك قول قائل:" خُلُقُ فلان أرقُّ من أنفاس ‏الصَّبا إذا غازلت أزهار الرّبا"، في كلمة الصَّبا استعارة مكنية لأنها شُبِّهت بإنسان وحُذِف المُشبّه به، ورُمِزَ ‏إليه بشيء من لوازمه وهو أنفاس الذي هو قرينة المكنية، وفي كلمة غازلت ترشيح وهذه استعارة مرشحة. ‏الاستعارة المُجرَّدة: وهي ما ذُكِرَ معها مُلائَم المشبَّه، ومثالها قول أعرابي: "كل عمودِ قومٍ من الدُّنيا إلى هلكٍ ‏يصيرُ"، في كلمة عمود استعارة تصريحية أصلية، فقد شبَّه رئيس القوم بالعمود فكلاهما يَحمل أساسًا، ‏والقرينة كلمة يهلَك، وفي جملة " إلى هلكٍ يصير"، تجريد.‏
‏ الاستعارة المُطلَقَة: وهي ما خلت من ملائمات المُشبَّه به أو المُشبَّه، ومثال ذلك قول أحدهم: "إنّي شديد ‏العطش إلى لقائِكِ"، فقد شُبّه الاشتياق بالعطش بجامع التطلُّع إلى الهدف والغاية، فالاستعارة تصريحية أصلية، ‏والقرينة إلى لقائك، وهي استعارة مُطلَقَة.

- مصر -

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x