عناد الأيام - نجلاء غفران سراجي


 كانت عقارب الساعة تشير إلى الرابعة والنصف قبيلة ساعة تقريبا من طلوع الفجر . فجأة بدأت أصوات آتية من بعيد ممتزجة بقهقهات صبيانيه تارة تعلو وتارة تنخفض وصداها يتردد عبر الجدران ينتشر بين الشوارع كاسرا صمت المكان . لقد كانت مجموعة من أطفال الليل لم تتجاوز أعمارهم منتصف ربيعها الثاني ، مجموعة تشكلت من صبية وصبيان يعيشون في مملكة الليل وحدهم . يتصايحون ، يتعاركون ويتقاذفون أنبى الألفاظ ... و بكلمات ساقطة كانوا ينادون بعضهم البعض .. الشوارع ملكهم وكلاب الليل جندهم ، ترافقهم أينما حلوا وارتحلوا.
كانت إحداهم تحمل اسما جميلا لكن بأصوات خشنة استمدت خشونتها من قسوة الليل وظلامه كانوا ينادونها به .كان اسمها وصال نعم وصال و أي وصال ولمن هذا الوصال !!!؟ لعناد الأيام وقسوتها أم وصال لصلة الارحام التي انقطع وصالها وقذفت بهذه الفتاة إلى براتين القطيعة والتقطع والإنقطاع عن كل أسباب العيش الكريم دون عراك.
لم تكن عراكاتهم حول شيء ذا قيمة كما لأهل النهار لم تكن حول أملاك أو أراض أو سلع تباع وتشترى ، لم تكن لهم اهتمامات دنيوية أو مادية أو حتى درجات علمية يطمحون الوصول إليها . كانت عراكاتهم حول شيء يمزق القلوب تمزيقا شيء يجعلك تصرخ من داخلك وتقول لا هذا حرام هذا جرم في حق هؤلاء الأبرياء ..ما الذنب الذي اقترفته أيديهم كي تعاندهم الأيام . وبخلاف أقرانهم في المدارس ترمي بهم في أحضان الشوارع وكلاب الليل ، يخوضون معارك شرسة تجردهم من إنسانيتهم وأبسط حقوقهم في الحياة ... ليتعاركون حول قنينة بلاستيكية فارغة لا أدري أي سم أسود هذا الذي تحتويه يجعلهم يتناوبون عليها .. يتعاركون في استماتة للحصول عليها فقط كي يستبقونها على أفواههم و يستنشقون هذا السم الهاري المخدر ، المدمر لعقولهم وأجسادهم ومشاعرهم ... في حين أقرانهم ومن هم في سنهم في اماكن أخرى من العالم يجدون من يهتم بهم ويهتم ببناء عقولهم وإعدادهم للمستقبل لزمن الذكاء الاصطناعي والربو تيك ....
هم صبيان و بنات براعم زهور تذبل وتفنى قبل أن تتفنى ، تموت قبل الأوان زهور لم تجد يدا حنونا ترعاها و تحسن متواها ...

- المغرب -

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x