تمثال الحلم - إدريس الجرماطي

لم أجد الإبرة في الحلم، تأكد لي بأن أصبعي هو من سيخيط ملابس التمثال، تنغرز الأظافر بالأثواب، تحدث ثقبا، تشبه ثقوب حائط طيني، لكن قبل ذلك من سيقوم بعج


 لم أجد الإبرة في الحلم، تأكد لي بأن أصبعي هو من سيخيط ملابس التمثال، تنغرز الأظافر بالأثواب، تحدث ثقبا، تشبه ثقوب حائط طيني، لكن قبل ذلك من سيقوم بعجن أفكاري، لتكون على مقاس طينته الجاهزة المبللة الموضوعة على الطاولة الكبيرة، هي الآن بمدخل حديقة الحلم في الركن المرتجل من ذاكرة العبور إلى مدينة النسيان، هناك حيث الأشياء المنسية على شاكلتي، الحكمة تقتضي أن أجعل جمجمته من بقايا عظام حقيقية لكائن ما، كل الكائنات لن تقبل أن تنقل عظامها من شكلها الأول إلى الشكل الآخر، ذاك الذي سيتخذ وضعا مختلفا في الحياة، لم أجد من يتقبل الأمر بسهولة، لذلك قررت أن لا أخرج من مغارة اللا عقل، لأن العقل أحيانا يربك لغة الأحلام، ويحكمها بلسان الاستبداد وعبثية العار…
أجدني الآن بين احتياجين إثنين، الأول: من سيقوم بدور العجان لإنشاء ذلك التمثال الغريب، أما الثاني: فإشكالية الجمجمة الحقيقية لكائن ما، والتي لزمها التحكم في بقية الجسد المصنوع، كون الرأس إدارة محتملة..
مادام الأمر مستعصيا عن الحل، فلن يتقبل الفكرة إلا جسدي، هذا المتألم الذي يقبل بكل احتمالات الأحلام، لذلك أغمضت عيني، ونزعت عني جمجمتي، نظفتها من الخرافة التي تسكتني عبر كل الأعوام التي مرت، وأنا أتوهم، بحثا عن حقائق هذا الكون المفضي في نهايته إلى ما أقبلت عليه الآن في حلمي هذا، أدخلت المنديل وأخرجت منها عجينته القديمة، ورميتها في بحيرة خيالي، وصرت أبصر الحيتان تلتهم عصارتي، هي من علمتني الكثير من الانزياحات والمشكلات الكبرى، تلك التي أودت بالكثير من العمر، وردتني أشعثا يعلوه البياض، مسحت دواخلي، دون أن أسمح لها بالابتسامة التي عهدتها مني كل صباح، وأنا من أحب الغوص في الفضاءات، أغمس قلبي في الجنان لأدخل ألوان الورد إلى أجوافي…
الآن بالضبط توقف رأسي عن كل انشغالاته، لم يعد يطمح بأن يكون موظفا عموميا، يعيش بؤس الانتظار براتب لن يكفي أبدا للعيش في تفاهة اليوم، أوقفته عن أفكاري التي كان يلاحقها الأمل المظني، بعد فصل رأسي هذا، سأعترف للعامة - التي لم تسألني عن حكاية التمثال هذا، من يكون وهو بحجم هذا الإشكال الجسدي الذي بدأ يفرض بي أشلاءه - سأعترف بأني كنت معذبا، كنت أنتقي الأفضل فالأفضل، كنت أظن أني قد أستطيع أن أغير شيئا ما بهذا العالم البئيس، إذ في النهاية، أجدني بين حقيقة الأشياء التي تتشابه، كلها تعكر صفو الخلود وترمي بالكائنات إلى مزبلة النسيان…
بعد الضبط الذي توقف فيه رأسي، المتحول كليا إلى أجمل الهدايا التي منحتها كأداة أولية لصناعة التمثال العجائبي، توسلت كل الأيدي لكي تساعدني على عجن الخليط الترابي بالماء المستوحى من خيال الحلم، تعمدت التوسل خارج الجسد، رغم أني أدركت أن لا أحد يقوى على التضحية، رغم أن الإخراج الزمني والمكاني للحلم في أية ذات، لا يصنعه إلا الحالم نفسه، تركت الأمر حينها للعفوية في انتقال عفوي مبهر، أردت أن يكون الحلم بأوساجه المسيطر الأقوى، هذا الجحود المختلق بي، دفع بكل الكائنات أن ترفض طلبي، مما زادني إلحاحا وقوة على الاستمرار، وصرت أنبش، وأستجدي بقية الأعضاء بي، كانت المادية منها ترفض بالأساس مساعدتي، لكن الحسية منها، تأملت أسوار معاناتي، أخيرا قرر الروح والأنفاس بي، أن يكونا لي سندا معنويا هائلا، شمر كل واحد منهما على ساعديه، وهتكا بالطينة الموضوعة جنب الجمجمة على الطاولة بمدخل الحديقة، ظل الرائدين، روحا ونفسا بهما في التحكم على الخليط، وفي نهاية مهمتهما، خلصا إلى جبل من الأفكار، جبل يحتمل الجسد المكتمل لتمثال الحلم العجائبي بي، الآن بالضبط تشكلت التضاريس الإيحائية لذات جديدة ستوقفها شريعة الأحلام بمدخل حديقة جميلة لمدينة الحلم في الذات المنهكة، والتي تهدي التمثال من جسدها كل الأشكال المعنوية، والتي لا يقوى أحد على التضحية حيالها، وتأكد الآن أيضا، أن افتراض العلاقات في الأحلام، شرط يسقط كل االمعاني، لأنه لا أحد يتحكم في حلمه، إلا إذا منح نفسه هدية لأحلامه وأفكاره…
توسد الآن الحلم ذاكرته، إحساسا منه ببلوغ درجة من الاكتمال الروحي، وازداد قوة وارتياحا بأعضاء الذات المعنوية للجسد الحالم، منددا بعنصرية المادة التي أجهضت أحلام كل القوى الفكرية كونيا، وأزالت روح البناء في شخص هذه البشرية التي تعيش على أوتار العبثية، وبخلاص نافد إلى لغة العدم المطلق المشروخ في كل مناحي الحياة…
بالضبط عند مدخل المدينة الآن، يقف التمثال، هنالك يبدو المجسد الذي تعلوه جمجمتي، يحرك الجرس أعلى رأسه، خوفا من اليقظة المفاجئة، تلك التي لا تخبر الأجساد عن موعد الحلول، خاصة إذا تعمد الآخر إزعاجي…
لم يعد التمثال يرغب في ارتداء الأثواب المخصصة له عند بداية الحلم، لا يقوى على التمثيل مجددا، وهو الذي يراقب دقات قلبي النابضة بي، من خلال رأسه النظيف، والمجفف من خلايا التصنع والاستبداد الملاحق بجسدي ونظرتي، حين أكون بساحة الواقع بعيدا عن الحلم، لم أكن أرغب بالاستيقاظ، رغم أنني كنت ممزق القوى، فلا رأس بي يوحي لي بمن أكون، ولا روح تهتدي إلى الأفق، تدلني على الاتجاه الصحيح، أما النفس بي فهي العالقة بجسد التمثال، صامتة تنتظر القرارات، هي الواقفة على شفى الأحداث، والحلم ينتزع مني بطاقة الهوية، فأصبحت لأحلامي جغرافية محدودة…
بالضبط عند منتصف الليل، يتشقق الحلم، فرأيت نفسي مرهقا لا حيلة لي، السواد يعم المكان، الأمكنة بالاحلام تهافت يتلاحق، أما الأزمنة فهي الدليل على وجود النسبية، فمن خلال الحلم، يمكن رؤية الشمس ساعة الفجر، ويمكن كذلك أن تكون فيلسوفا يصفعه القدر، فيكون دليلا منهارا أمام حقير مستبد، لم تطأ رجلاه ساحة الدرس..
كان التشقق شارخا، لا تقوى الذات على تحمل وقعه، إذاك صحوت مفزعا، ووجدت في يدي إبرة صغيرة، وعلى رأس من رؤوسها كومة كبيرة من الخيوط بحجم تمثال صغير…


- الولايات المتحدة الأمريكية -

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x