مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

النفق - ليلى عبدلاوي

 


حين وصل الى المحطة ،كان المسافرون الذين أقبلوا ليستقلوا أول قطار قد أخذوا أماكنهم على الرصيف وأخذهم العالم الافتراضي على هواتفهم..تطفو على وجوهم بين الحين والآخر ابتسامات ..
قصد غرفة الملابس ،ارتدى حلة العمل.
بدا له النفق المظلم كاول طريق يسلكه القطار وهو يغادرالمحطة،م يستطع أن يتغلب على شعوره بالرعب كلما تأمل منعرجاته الغريبة،على جدرانه ظلال يخيل إليه غنها تشير إليه أن يقترب..
قصد مكان عمله متحاشيا النظر إليها..
لاحت له امراة شقراء تجر حقيبة ،ذكره لون شعرها بالفتاة الحسناء التي تزوجها منذ عقد من الزمن، طالما اعتبرها هدية من السماء..
حياة مرت عليهما كالحلم ...زينتها ثلاثة أطفال،أقبلوا تباعا،استقبلوا بحب، واستمرؤا رعاية أبوين شغوفين لكن سقطة من أعلى الدرج منذ سنتين غيرت حياة الأسرة رأسا على عقب.
هي تعيش الآن معه بجسد غائب عن الوعي ،على محياها قناع لا يعرفه..
قد تستعيد ذاكرتها للحظات ،تبتسم للاولاد ،تقبلهم،قد تنهض من مكانها لتقصد المطبخ بفعل العادة ثم لا تلبث أن تعود وهي تنظرالى لاشيء.
القناع القاسي يحتل مكانه من جديد...
تحتله رغبة في النوم ، يغمض عينيه؛ يفتحهما،يقاوم الشعور بالتعب .
اعد للصغار طعاما يكفيهم ليوم كامل ،غسل ثيابهم ،نظف المكان وساعد ابنته الكبرى على الاعتناء بأمها..
يتخيل ساعديها الصغيرين يشتغلان بهمة تجاوز سنها التاسع بكثير..
انتابه قلق،تساءل:
_ ترى، هل اغلقت باب البيت أم نسيته مفتوحا
يا إلهى.. !!!
قد تفعلها زوجته مرة أخرى وتخرج هائمة على وجههاويضطر إلى البحث عنها ثانية في كل مستشفيات المدينة...
"ماذا افعل؟هل أستئذن رئيسي في العمل وأعود الى البيت لأتأكد من اغلاق الباب؟ماذا سيكون موقفه؟ لقد تجاوزت الحدود المسموحة في التأخر والغياب.."
دمعت عيناه ،الفرح غائب والحياة أضاعت طعمها.
وفي المساء، يستقبله البيت بصمت.. أطباق الطعام الباردة على المائدة فقدت نكهتها منذ ساعات.
خلف الستار، يلاحظ الابنة الكبرى تتقمص دورا يكبرها بكثير وفي اعين صغاره أسئلة تنتظر الجواب..
أخذ تطلع الى مكتب الرئيس من خلال الواجهة الزجاجية، رآه يجلس في مكتبه ؛رجل أنيق يتامل شاشةوينقر لوحة مفاتيح نافيا العالم من حسابه..
أحس باليأس،استعد للعودة إلى مكانه وهو يدعو الله في سره ...
فجأة، لمحت عيناه شيئا ،تسمر في مكانه، رباه! إنه لا يصدق ما يرى!!
بدت له زوجته بلباس النوم تهبط الدرج المفضي إلى الأرصفة ثم تخطو حافية القدمين نحو النفق..
اختلط صوت صفارة الإنذار بصوت فتاة تعلن عن انطلاقة القطار،أسماء المدن تتمازج في مسامعه...
تستمر زوجته في التقدم ؛يناديها،يصرخ؛ يضيع صوته في الفضاء.
تتحرك القاطرة،يلوح الركاب بأيديهم.
تقترب زوجته من السكة ،يعلو الصراخ .
يجري،يختنق صوته في حلقه.
يقعى جاثيا على ركبتيه.

- المغرب -

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x