مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

ظلال الوجع - هيفي قجو

ظلال الوجع - هيفي قجو


 - سكاكين حاقدة ...
"علياء" الفتاة الجميلة الرقيقة التي كانت تضاهي الدهشة في جمالها والشجرة في حفيفها والماء في بساطته، لم تكن إلا كقطعةِ أثاثٍ بخسة في نظر والدها وإخوتها،
لكن علياء كانت تتقن أن تقول لا.. لا للزواج من ابن العم الجاهل لا للزواج من دون حب وتفاهم!
بيد أن الأب والإخوة وأبناء العمومة لايعرفون رفضاً، فعلى "علياء" أن تطأطىء رأسها وألا تنظر إلى الشمس،
وتكفَّ عن هذه الـ "لا" الرجيمة التي ستجتاح عقول بنات "العشيرة" ونسائها وتضع العُرف المتوراث تالياً في مهبّ السخرية!
دون إنذار تستيقظ الوحوش الكاسرة في دماء العشيرة.
كان النهار وئيداً يودّع جثة "علياء" المطعونة بعشر سكاكين حاقدة !
وعورة العشق
التصق بها متكوماً على جسدها الرقيق ربما ليسري بعض الدفء إلى شرايينها، لكن عبثاً فقد كان الموت أقرب منها إليه، أراد أن يصرخ لكن هيهات...!
ضمها بمشقة إليه ليسلم الروح طوعاً فلا حياة تستحق من بعدها.
قبل بضعة أيام من الموت أخبرها أنه يعرف الطريق أغنيةً أغنيةً لكن الثلج الأحمق غدر به، كما غدر به كلُّ الناس ويقينه الساذج حين اختاره طريقاً لسعادته.
اتفقا ذات شجرةٍ على الهروب معاً إلى تكية صوفية بعيدة، لكنّ القائمين هناك فصلوهما بعضهما عن بعض هي في جناح النساء، هو في جناح الرجال، فخدمة الرب تغني عن شهوات الحياة كما قال صاحب اللحية الطويلة بعينين خبيثتين.
شرع يحاول بشتى الوسائل التواصل مع محبوبته لكن دون جدوى، حتى أنه سمع همسات في أروقة التكية تشي بتحرشات بشريكته، حينها قررا الهرب والعودة إلى جحيم مواجهة الأهل متأملين السماح.
سيذوب الثلج يوماً ليتفاجأ الناس ب"سروشت وكلباخ" متعانقين هناك.
كل ربيع تتفجّر زهور غريبة وكأنها عناق بين جسدين تنبت في تلك البقعة، تروي حكاية عشقهما الوعرة..!!

- حواف الحيرة..!!
تأمّلَ الصورة التي كانت تجمعهما من سنين ثم ضرب رأسه بالحائط القريب من وجعه ورفع رأسه للسماء يناجي ربه:
ألم تكتف بامتحاني؟ إلى متى ستخضعني لاختبار تلو الآخر؟!
عروسه في الصورة بعد أن أنهكها الحزن والألم عليه، تفاجأت ذات زيارة لإحدى فروع الأمن التي غدت تضاهي أصابع اليدين في عددها، بعد أن نالت نصيبها من التحرش؛ أن زوجها قضى نحبه.
استلمت شهادة وفاته وعادت خالية الوفاض منزوعة الأمل تبكيه وحظها السيء.
بعد شهور يُطلب منها الزواج من أخ زوجها وإلا ستضطر الزواج من غيره تاركة أطفالها،
وافقت على مضض وبدأت تتأقلم مع وضعها الجديد.
لكن وجهها أمطر دهشة حين رأت زوجها الأول يدخل باب البيت رفقة زوجها الثاني،
لم تتماسك سقطت كشجرة سرو من علوها لتجد نفسها تترنح على حوافي الحيرة..!!

- الملاذ الموحش!!
استفاق على ركلات أحدهم في ذلك الركن الذي غدا جزءاً منه دون أن تكون له يد في ذلك، الحيّز الذي يعود إليه بعد كل حفلة رقص على يد الجلاد.
لا يعي ما يحدث في الزنزانة، الكل يتدافع كأمواج البحر، ترك جسده يتناغم مع تلاطم ذلك الحشد، إلى أن سمع صراخ أحدهم: توقفوا! الحافلة أمامكم، اصعدوا ولاتنسوا فضل إلهكم "فخامة الرئيس" عليكم، قد ولدتم على يده مجدداً..!
تراكض الجمع صوب الحافلة التي مضت بهم إلى وجهة مجهولة، بعد هنيهة أمرهم العسكري بالنزول، طوق الناس الحافلة وكأنه يوم الحشر، صراخ، بكاء، عناق وتهوى الأجساد السقيمة كوريقات خريف منسية بين الجموع، إلُا هو وكأنه من كوكب آخر.
تناهى إلى سمعه صوت غريب: بني، بني! تراجع إلى الوراء وهو يسأل بريبة: من أنت؟ ماذا تريد مني؟
عانقه الرجل الستيني وهو يصرخ: بني هذا أنا والدك! لم يحرك فيه ما قاله الرجل ساكناً، أبعده بحذر عن جسده الهزيل والتفت عنه مُؤْثِراً الرجوع إلى زاويته المعتمة في تلك الزنزانة الموحشة ..!!


- سوريا -

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x