لا يعرف بالضبط، تاريخ ومكان ولادته. ولا يعرف من قاده إلى كتاب القرية المنتصب على حافة الوادي الدائم الخضرة والجريان. كانت أصوات أقرانه وضجيجهم وهم يحفظون ما كتب على تلك الألواح الخشبية تجلب له النوم داخل الكتاب، يرق فقيه القرية لحاله، فيجلب له وسادة، و(هيضورة ) لينام وسط حلقة تحفيظ القرآن. وكان عند أوان مغاذرة الكتاب. تشفق عليه زوجة الفقيه فدعوه إلى منزلها لتهديه قطعة من الخبز والسكر. كل هذا يغنيه عن العودة إلى البيت. كان يستهويه تسلق شجرة السدر المعمرة، يفضل الركض فوق المزبلة المطروحة على هيئة جبل يرتفع جوار المسجد، وقرب النهر الخطير إذا فار غاضبا. كان يضيع في اللهو والعبث إلى أن يجد نفسه وحيدا، وحده في ظلام الليل يلتمس العودة إلى بيته حافي القدمين متوجسا من تلك الاشجار المحيطة به كانت تتراءى كانها أشباح أغوال تتربص به الروائر فيتماسك تم يتابع طريق العودة إلى بيته، لا يجد أمامه من يوجه له اللوم أو العتاب عن التأخر في العودة إلى بيته. يجد فقط أمرا صارخا بالذهاب إلى جلب الماء من السقاية البعيدة عن المنزل.؟! على مدار السنة، أشعث الشعر، مغبر الوجه ممزق القميص من أعلى الكثف، يلبس نصف سروال مثقوب، حافي القدمين خشن اليدين، طاوي البطن، تجري على جسده أسراب القمل...لا يعرف من قادة إلى باب المدرسة اللعينة. وجد نفسه تحت إمرة أستاذ انيق مرعب مخيف حاد النظرات يأمره بالدخول إلى الصف وجمع يديه والاصغاء. لايعرف كيف وجد نفسه بين جذران القسم، يجلس على الطاولة الخشبية وهو ينظر إلى لوح خشبي أسود اللون مستطيل الشكل، يمتد أمام ناظريه من يمين الفصل إلى يساره... في ذلك اليوم المشهود دق الجرس، فأذن الأستاذ الانيق بحدة للتلاميذ بالخروج من الفصل...دارت به دنيا الطفولة من جديد. تاه في بساتين التين والرمان ليسد الرمق..؟! في الغد الموالي للدخول المدرسي عاد الأطفال في أناقتهم المعهودة، يحملون معهم محافظ مزركشة بهية الألوان، أما هو فجاء يحمل معه كيسا بلاستيكيا بداخله كسرة خبز، رقت وأشفقت لحاله الجارة، خالتي عيشة فأهدتها إياه، ثم دعت له بالتوفيق والنجاح. فأوصته بأن يكون مجتهدا في القراءة ودون التفريط في كسرة الخبز...؟!
- المغرب -
