كان
الجو حارًّا، حين خرجت من المنزل أبحث عن بعض البيض البلديِّ، لإعداد
مِقْلاتي المفضَّلة، كعادتي كلَّ يوم اثنين أعود فيه من العمل. الدَّكاكين
المجاورة مغلقة، والدُّكان الوحيد بالحيِّ لم يكن يوفِّره، بدعوى أنَّ
الإقبال عليه قليلٌ جدًّا، وأنَّ الاحتفاظ به كثيًرا قد يعرِّضه للتَّلف،
لذلك قرَّرت الذَّهاب إلى المحلَّات التي اشتهرت ببيعه وإِنْ كانت بعيدة،
علِّي أجدها مفتوحةً لم تغلق أبوابها بعد.
لقد كان الوصول إلى تلك المحلَّات يستغرق حوالي عشرين دقيقةً مشيًا على الأقدام، وخمس دقائق أو ستًّا، عند الركوب. كنت على وشك أن أستقلَّ سيَّارة أجرة، لولا أنِّي أبصرت من بعيدٍ عربةً من الحجم الصغير، مركونةً بقرب مقاطعة الحيِّ الذي أسكنه. كانت في مرمى بصري تمامًا رغم بعدها، فما زلت ولله الحمد، كالصَّقر حادَّ البصر، أستطيع أن أرى ما قد يراه بعض الناس سراب.
يمَّمت وجهي شطر العربة، وكلِّي أملٌ أن أجد ما أبحث عنه، فليس بالأمر الهيِّن على الإنسان أن يبذل مجهودا، ولا سيَّما في عِزِّ الشَّمس المحرقة، من أجل شيءٍ ثم يعود خاوي الوفاض، لذلك كنت أمنِّي النَّفس بقولهم: "قد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر"، ومن يدري، لعلِّ حدسي يصدق، فأكون قد وفرت على نفسي عناء البحث في عز اللهب.
لم يكن من عادة الباعة المتجوِّلين بالمدينة التي كنت أقطنها، أن يبقوا بالخارج عند منتصف النهار، لحرارة الجوِّ التي كانت تحول دون خروج السُّكان من منازلهم، إلَّا للضرورة. فقد جرت العادة بالمدينة على انقطاع الأنفاس من أجساد الشَّوارع حتى صلاة العصر، حيث يَلْطُفُ الجوِّ، فيخرج النَّاس للتَّبضع، وينشط الباعة في عرض سلعهم المختلفة إلى وقتٍ متأخِّرٍ من الليل، لذلك كنت أستغرب وجود تلك العربة في هذا الوقت بالذَّات، وما زلت أقترب، والرؤية تتَّضح أكثر فأكثر، حتى استطعت أن أميِّز صاحبها قبل وصولي إليه ببضعة أمتار. لقد كان شيخًا طاعنًا في السِّنِّ. هكذا تراءى لي حتى وصلته، فكان كما تصوَّرته فعلًا. شيخًا كبيرًا، أكبس الرأس، معروق الوجه، منقطع العذار، أجْبَه، قد تشاخست أسنانه، وبدت عليه علامات السِّنين، وأكل الزَّمن جسده، حتى تضمَّر وجهه، والتصق جلده بعظمه، كأنه هيكلٌ مركونٌ .
ترى، أي شيء منعك من الذَّهاب إلى المنزل كي تَقِيلَ كسائر الباعة المتجوِّلين، وجعلك تخرق العادة وتبقى في عزِّ الشمس أيها الشيخ؟ أيُّ تعاسةٍ جعلتك تفترش الكرتون، وتجمع ركبتيك إلى بطنك، وتتوسَّد جدار المقاطعة الحضريَّة وتستسلم للنَّوم؟ ما الذي جعلك لا تشعر بوجودي وأنا أتفحَّص البيض بعينيَّ وأنظر إليك من كثب؟ ببدو أن جرعة الألم، كانت كافيةً لتقضي على آخر نبضٍ يجعلك تشعر بوجود الآخرين.
بعد أن تأكَّدتُ من أنَّ في العربة بيضًا بلديَّا، ربَّتُّ على كتف الشيخ في هدوءٍ كي لا أفزعه، حتى استيقظ من غفوته قائلا: "أَدَّاتْني عِيني آوْليدي"
- لا عليك عمّْي الحَاجْ. أريد بعض البيض البلديِّ. فهلَّا بعتني عشرة.
- بالطَّبع. "وَعلاشْ رَاني هنا. كايَنْ شِي بِّيضاتْ باقْيينْ كتابوليكْ."
وما إن همَّ الشَّيخ بالنهوض، حتى أدركت أنه بالكاد يقف، وأنَّ يديه ترتجفان قد أًصابهما الرُّعاش، فحاولت بأدبٍ أن أعفيه وأقوم بخدمة نفسي بنفسي، بعد أن أخذت سلَّة البيض ووضعتها أمام عينيه كي تطمئنَّ نفسه وتهدأ، ورحت أخرج البيضة تلوى البيضة، وهو ينظر إليَّ ويَعُدُّ معي: "وَاحَدْ الله، جوجْ .. حتى استوفيت العشرة، فأعدت السَّلة إلى مكانها، بعد أن أرجعت ما كان على البيض من تبنٍ مدروسٍ، ثم سلَّمته المال دون أن أسأله الباقي، فارتسمتْ على محيَّاه ابتسامةٌ وكأنِّي بها خارجة من أعماقه، وقلت له:
"مَكانْشْ شي وْلِيَّدْ ألّي إعاوْنَكْ آعَمِّي الحاجْ؟"
فتنهَّد الشَّيخ وقال:
أترى هذه العربة الصغيرة يا ولدي، لقد رَبَّيْتُ من إيرادها ثلاثة أولاد: ولدين وبنتًا، بعد أن توفيت أُمُّهم، وتركتهم لي فراخًا صغارًا. فأمَّا الولدان، فقد جعت ليشبعا، وعريت ليكسيا، وتحمَّلت في سبيل تعليمهما ما لا يطيقه رجل، ولا يتحمَّله قلب، ولـمَّا أكملا تعليمهما، وحصلا على الوظيفة الَّتي يتمناها كلُّ أبٍ لابن يراه يكبر أمام عينيه يومًا بعد يوم، يجعله ذُخرًا لأواخر عمره، إذ بهما يتنكَّرا لي، بعد أن استقلَّ كلٌّ واحد منهما بنفسه، وسكن مدينةً أخرى غير التي أسكن، وتزوَّج وصاهر أُسَرَ الأكابر، ولم يضرب لكلِّ التَّضحيات التي قمت بها أيَّ اعتبار والبنت، ما أخبار البنت عمِّي الحاج، هل تنكَّرت مثلهما لكلِّ ما قمت به أيضًا؟ أجابني الشيخ وقد بدا من صوته هذه المرَّة أن قلبه قد تحلَّز حتى ما عاد فيه من مكان للألم:
- أمَّا البنت فإنِّي عليها راضٍ، ولولا وجودها بحياتي لمتُّ غمًّا وكمدًا، ولكنَّ الله رحيم. هي الآن في الأربعين من عمرها، مقعدة لا تستطيع المشي، تحاول جاهدةً أن تخدمني رغم إعاقتها، وما رأيت منها إلا البرَّ والإحسان، ونفسًا طيِّبة، وإرادةً قويَّةً جعلت منها مفخرة الحيِّ، بحيث استطاعت حفظ كتاب الله، على يد إحدي الـمُحفِّظات وهي لا تزال في الثَّامنة عشر من عمرها. إنَّها الشَّمعة التي تنير ظلام البيت، والقلب الحنون الذي ينسيني صوت الوجع، والِّلسان الحلو الذي يريح فؤادي بكلام الله. ثم ختم الشيخ كلامه قائلًا:
" أَلِّي ما عَنْدو بْنَاتْ ماعَرْفوهْ فُقَاشْ ماتْ".
لم يكن منِّي بعد أن سمعت قصَّة هذا الشَّيخ، إلَّا أن قَبَّلْتُ رأسه وانصرفت، وفي نفسي حزنٌ وأسى، على موت الضَّمير، متناسيًا ما كنت أشعر به من حرٍّ وقيظ.ٍ
شروح لفهم اللهجة المغربية:
- "وَعلاشْ رَاني هنا": بمعنى ولم أنا هنا؟
- "كايَنْ شِي بِّيضاتْ": بمعنى هل لديك بيض؟
- "كتابوليكْ": بمعنى كتبهم الله لك
لقد كان الوصول إلى تلك المحلَّات يستغرق حوالي عشرين دقيقةً مشيًا على الأقدام، وخمس دقائق أو ستًّا، عند الركوب. كنت على وشك أن أستقلَّ سيَّارة أجرة، لولا أنِّي أبصرت من بعيدٍ عربةً من الحجم الصغير، مركونةً بقرب مقاطعة الحيِّ الذي أسكنه. كانت في مرمى بصري تمامًا رغم بعدها، فما زلت ولله الحمد، كالصَّقر حادَّ البصر، أستطيع أن أرى ما قد يراه بعض الناس سراب.
يمَّمت وجهي شطر العربة، وكلِّي أملٌ أن أجد ما أبحث عنه، فليس بالأمر الهيِّن على الإنسان أن يبذل مجهودا، ولا سيَّما في عِزِّ الشَّمس المحرقة، من أجل شيءٍ ثم يعود خاوي الوفاض، لذلك كنت أمنِّي النَّفس بقولهم: "قد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر"، ومن يدري، لعلِّ حدسي يصدق، فأكون قد وفرت على نفسي عناء البحث في عز اللهب.
لم يكن من عادة الباعة المتجوِّلين بالمدينة التي كنت أقطنها، أن يبقوا بالخارج عند منتصف النهار، لحرارة الجوِّ التي كانت تحول دون خروج السُّكان من منازلهم، إلَّا للضرورة. فقد جرت العادة بالمدينة على انقطاع الأنفاس من أجساد الشَّوارع حتى صلاة العصر، حيث يَلْطُفُ الجوِّ، فيخرج النَّاس للتَّبضع، وينشط الباعة في عرض سلعهم المختلفة إلى وقتٍ متأخِّرٍ من الليل، لذلك كنت أستغرب وجود تلك العربة في هذا الوقت بالذَّات، وما زلت أقترب، والرؤية تتَّضح أكثر فأكثر، حتى استطعت أن أميِّز صاحبها قبل وصولي إليه ببضعة أمتار. لقد كان شيخًا طاعنًا في السِّنِّ. هكذا تراءى لي حتى وصلته، فكان كما تصوَّرته فعلًا. شيخًا كبيرًا، أكبس الرأس، معروق الوجه، منقطع العذار، أجْبَه، قد تشاخست أسنانه، وبدت عليه علامات السِّنين، وأكل الزَّمن جسده، حتى تضمَّر وجهه، والتصق جلده بعظمه، كأنه هيكلٌ مركونٌ .
ترى، أي شيء منعك من الذَّهاب إلى المنزل كي تَقِيلَ كسائر الباعة المتجوِّلين، وجعلك تخرق العادة وتبقى في عزِّ الشمس أيها الشيخ؟ أيُّ تعاسةٍ جعلتك تفترش الكرتون، وتجمع ركبتيك إلى بطنك، وتتوسَّد جدار المقاطعة الحضريَّة وتستسلم للنَّوم؟ ما الذي جعلك لا تشعر بوجودي وأنا أتفحَّص البيض بعينيَّ وأنظر إليك من كثب؟ ببدو أن جرعة الألم، كانت كافيةً لتقضي على آخر نبضٍ يجعلك تشعر بوجود الآخرين.
بعد أن تأكَّدتُ من أنَّ في العربة بيضًا بلديَّا، ربَّتُّ على كتف الشيخ في هدوءٍ كي لا أفزعه، حتى استيقظ من غفوته قائلا: "أَدَّاتْني عِيني آوْليدي"
- لا عليك عمّْي الحَاجْ. أريد بعض البيض البلديِّ. فهلَّا بعتني عشرة.
- بالطَّبع. "وَعلاشْ رَاني هنا. كايَنْ شِي بِّيضاتْ باقْيينْ كتابوليكْ."
وما إن همَّ الشَّيخ بالنهوض، حتى أدركت أنه بالكاد يقف، وأنَّ يديه ترتجفان قد أًصابهما الرُّعاش، فحاولت بأدبٍ أن أعفيه وأقوم بخدمة نفسي بنفسي، بعد أن أخذت سلَّة البيض ووضعتها أمام عينيه كي تطمئنَّ نفسه وتهدأ، ورحت أخرج البيضة تلوى البيضة، وهو ينظر إليَّ ويَعُدُّ معي: "وَاحَدْ الله، جوجْ .. حتى استوفيت العشرة، فأعدت السَّلة إلى مكانها، بعد أن أرجعت ما كان على البيض من تبنٍ مدروسٍ، ثم سلَّمته المال دون أن أسأله الباقي، فارتسمتْ على محيَّاه ابتسامةٌ وكأنِّي بها خارجة من أعماقه، وقلت له:
"مَكانْشْ شي وْلِيَّدْ ألّي إعاوْنَكْ آعَمِّي الحاجْ؟"
فتنهَّد الشَّيخ وقال:
أترى هذه العربة الصغيرة يا ولدي، لقد رَبَّيْتُ من إيرادها ثلاثة أولاد: ولدين وبنتًا، بعد أن توفيت أُمُّهم، وتركتهم لي فراخًا صغارًا. فأمَّا الولدان، فقد جعت ليشبعا، وعريت ليكسيا، وتحمَّلت في سبيل تعليمهما ما لا يطيقه رجل، ولا يتحمَّله قلب، ولـمَّا أكملا تعليمهما، وحصلا على الوظيفة الَّتي يتمناها كلُّ أبٍ لابن يراه يكبر أمام عينيه يومًا بعد يوم، يجعله ذُخرًا لأواخر عمره، إذ بهما يتنكَّرا لي، بعد أن استقلَّ كلٌّ واحد منهما بنفسه، وسكن مدينةً أخرى غير التي أسكن، وتزوَّج وصاهر أُسَرَ الأكابر، ولم يضرب لكلِّ التَّضحيات التي قمت بها أيَّ اعتبار والبنت، ما أخبار البنت عمِّي الحاج، هل تنكَّرت مثلهما لكلِّ ما قمت به أيضًا؟ أجابني الشيخ وقد بدا من صوته هذه المرَّة أن قلبه قد تحلَّز حتى ما عاد فيه من مكان للألم:
- أمَّا البنت فإنِّي عليها راضٍ، ولولا وجودها بحياتي لمتُّ غمًّا وكمدًا، ولكنَّ الله رحيم. هي الآن في الأربعين من عمرها، مقعدة لا تستطيع المشي، تحاول جاهدةً أن تخدمني رغم إعاقتها، وما رأيت منها إلا البرَّ والإحسان، ونفسًا طيِّبة، وإرادةً قويَّةً جعلت منها مفخرة الحيِّ، بحيث استطاعت حفظ كتاب الله، على يد إحدي الـمُحفِّظات وهي لا تزال في الثَّامنة عشر من عمرها. إنَّها الشَّمعة التي تنير ظلام البيت، والقلب الحنون الذي ينسيني صوت الوجع، والِّلسان الحلو الذي يريح فؤادي بكلام الله. ثم ختم الشيخ كلامه قائلًا:
" أَلِّي ما عَنْدو بْنَاتْ ماعَرْفوهْ فُقَاشْ ماتْ".
لم يكن منِّي بعد أن سمعت قصَّة هذا الشَّيخ، إلَّا أن قَبَّلْتُ رأسه وانصرفت، وفي نفسي حزنٌ وأسى، على موت الضَّمير، متناسيًا ما كنت أشعر به من حرٍّ وقيظ.ٍ
شروح لفهم اللهجة المغربية:
- "وَعلاشْ رَاني هنا": بمعنى ولم أنا هنا؟
- "كايَنْ شِي بِّيضاتْ": بمعنى هل لديك بيض؟
- "كتابوليكْ": بمعنى كتبهم الله لك
- المغرب -
