وداع - عبد الخالق أيت أفقير

 



يا جدي ويا حبيب روحي وقلبي طالما أحببتك في صمت ولم أبح لك بالشعور الذي أكنه لك بطريقة مباشرة. ها أنا أكتب لك اليوم هاته السطور أُشهدها بعد الله على حبي الغامر لك، قبل انتقالك بسويعات دخلتُ عليك في بهو المنزل، وجدتك متكأ على وسادة صابرا محتسبا منتظرا أمر الله في رضى تام، لم أستطع أن أكبح دموعي فخرجت من المنزل، سالت دموعي التي لم أكن أعتقد أنها ستذرف يوما من أجل شخص وافه أجله، استغربت لذلك، وحمدت الله عليه، حينها تأكدت أنني بشر أشعر أحس وأبكي. اتصلت بأختي بعدها أطلب منها المدد والقدوم من أجل آخر لقاء، بعد قدومها بعشرات الدقائق، دقائق كانت كافية لتستعيد فيها ميزان قواك، إجتمع حولك أبناءك الذين قدِموا لتوديعك، كنتَ سعيدا لرؤيتهم حولك. جدي الحبيب وأنا أكتب هاته السطور لم تعد بيننا اللحظة على هذه الأرض ولكن أرجوا أن تكون روحك الآن في الجنة مُبشرا، ضاحكا غير عبوس، وأرجوا أيضا ان تنظر إلي حيث أنت وتبتسم إبتسامتك الجميلة، قد لا أكون أكثر أبناءك البارين ولكن كنت أتوسل من قلبي رضاك عني وإن كنت لا أستحقه. جدي الحبيب أعتذر منك، كنتُ أعلم أن الموت لم يعد يفصله عنك إلا شبر أو أصبوعان. بحث في نفسي عن ذلك الإحساس الذي قد تكون عشته في تلك اللحظات وأنت موقن بأنها آخر ساعاتك وإن لم أشاركك الألم فإني حاولت أن أشعر وأتقاسم معك إحساس الإقتراب من اللحظة الصفر.
عدت إلى بيتنا ليلا بعد تعب شديد في ذلك اليوم الموافق للثالث من ماي 2024، عدت وأنا أحمل في جوفي أمل لقياك صباحا وإن كنتُ غير متأكد من ذلك،. الثالثة صباحا في الرابع من مايو أتت أختي توقظني على نبأ وفاتك رحمك الله، استقبلت الأمر وكنت راضيا به موقن من أن رحمة الله أدركتك بعد صراعك مع مرض الروماتيزم الذي تغذى على عظامك لعقود من الزمن، يا أب أمي لازلت أتذكرني صغيرا بينما كنت تلعب بأذناي وأصابعك تجرها من الأعلى إلى الأسفل مرددا لازمتك بالأمازيغية (( زوو ايباون، سووكف إيباون). جدي الرجل الحكيم إن هو خطب، الواعظ إن هو صمت، اليوم إستقبلت من أتوا لتوديعك وتشيعك في منزلك كما كنت لترضاه، وأنا أفعل ذلك كنت أستحضر معرفتي بك والتي من خلالها استنتجت أنك لو كنت حيا لطلبت مني فعل ما فعلته. يا جدي أعذر جُبني وأنا أتحاشى أن أدخل عليك في بيتك وأنت ممددا على الأرض، وأعتذر منك مرة ثانية أني لم أتشجع في أول الأمر أن أقبل جبهتك كما كنت افعل دوما، لكني فعلتها مخافة أن لا أحضى بفرصة ثانية أقوم فيها بواجب الإحترام تجاهك. يا جدي الحبيب اليوم إستقبلت ضيوفك وأعددت لهم ما يتناولونه أمام منزلك وأنت تنتظر قدوم إبنك من الدار البيضاء من أجل إلقاء الوداع الأخير. جدي الحبيب أحبك وأنا الآن أستحضر حواراتنا، أتذكر أنني قلت لك يوما أن أمي هي إبنتي ولم تردف كلمة واحدة على هذا الأمر كمن يخبرني أن أعتني بإبنته بعده. يا عمود منزلنا اليوم حملت نعشك فوق كتفي وسرت بك إلى مقامك الأخير وأنا أردد الدعاء والذكر مترجيا أن تدركني وإياك رحمة الله. جدي العزيز قبل أن ندخل المقبرة تيممت على عجلة وصليت في الصف الأول على جنازتك، ثم رافقتك إلى قبرك وأنزلتك إياه بيداي هاتان اللتان أكتب بهما الآن، أطمرت عليك التراب ثم أسقيته بماء ودعوت لك في كل لحظة من لحظات هذا اليوم الجلل، جدي الحبيب الجنة مودعنا وميعادنا أحبك من جوف قلبي وسأظل وستحيا فيَّ ما شرقت علي شمس أو غربت.
أحبك يا من بعده لا يستحق حبا، جدي الحبيب،.

تعزية خاصة من إدارة برشلونة الأدبية: عظم الله أجركم وجبر مصابكم وغفر لميتكم، اللهم ارحمه ووسع نزله، وأكرم مدخله، واجمعنا به في مستقر رحمته. اللهم آمين


 - المغرب -

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x