مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

ماسح الأحذية - خليل خاي

 



صعد بجسده النحيل إلى حافلة النقل الحضري، وهو يحمل صندوقه وكرسيه الصغير في يديه، تسلل خلسة بين أرجل الناس دون أن يؤذي ثمن التذكرة، وقف وعيناه الكبيرتان تشرئبان إلى الباب الأمامي كلما وصل إلى محطة من المحطات القادمة خوفا من مراقبي التذاكر. وفي إحداها يصعد إثنان منهم بجسديهما القويين الضخمين، كأولئك الذين يقفون على أبواب الحانات والمراقص الليلية، تململ الركاب وهم يبحثون في جيوبهم عن تذاكرهم.. نظر الطفل حوله، وقلبه يخفق بشدة، ما العمل؟ اقتربا منه، حاول أن ينسل بينهما إلا أن واحدا منهما اعترض طريقه بوجه صارم، ثم لكزه بكفه قائلا له:
- التذكرة!
- ما عنديش!
- ولاش طالع لْمَّك؟
نظر إليه الصبي بنظرته المستكينة خائفا ومستعطفا، إلا أن المراقب صرخ آمرا السائق بأن يتوقف جانبا، ثم خطفه من كتفه عائدا به إلى الوراء، ورماه بركلة عنيفة من الباب الخلفي ليتكور معها المسكين على الأرض. نهض، نظر إليه الطفل بحقد، ثم غادر المكان وهو يسبه ويشتمه إلى أن توارت الحافلة عن الأنظار.
من كثرة تسلله في الحافلات دون أن يؤذي ثمن التذاكر أصبح يعرف كل المراقبين، وأغلب الأحيان، كان يفلت بسبب غياب المراقبة، وأحيانا وليس دائما كان منهم من يغض الطرف عنه...
هكذا يقضي الطفل يومه متنقلا بين المقاهي والشوارع يمسح الأحذية، ويعود إلى بيت أسرته في المساء منهكا، إما مجانا أو يرمى من الحافلة في منتصف الطريق بركلة على مؤخرته ..
أحيانا في المقاهي يتقزز الناس من رائحة مادة الطلاء التي تخنقهم وتزعجهم، فيزيل بعض الزبناء أحذيتهم احتراما للآخرين، ويطلبون منه أن يمسحها بعيدا عنهم.
يلتفت صاحبنا المراقب إلى أحد الجالسين معه في المقهى، يروي له وهو يضحك كيف انتقم منه ماسح الأحذية ذلك حين أعطاه حذاءه ليمسحه بعيدا، وحين تأخر عليه، اكتشف انه اختفى في الطبيعة بعدما تركه حافي القدمين بين الناس، وهم يضحكون! وكيف انتقم منه، ومن تلك الرِّجلين اللتين كانتا تركلاه على مؤخرته كلما ضبطه متسللا إلى الحافلة عائدا إلى بيت أسرته البعيد!

- المغرب -

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x