مطرُ الذكريات - نسيم محمد

 
في ليلةٍ ماطرةٍ بالحنين على متن قلبي، تهطلُ غيوم الذكريات بغزارة بثوبٍ ليس قشيب، أطلُ على نوافذ الشوق؛ لأكامع أيامي ألخاليات، هناك حيثُ كنتُ غيمًا ملبدًا بالحُب، مثقلًا بالأحلام والطموحات، كُنت أرئ العالم بمنظورٍ واحدٍ، كُلهُ بائِسٌ وحزين، حبست نفسي بقوقعةِ الخوف من الولادة، جعلتُ غيومي عقيمةً لم تنجب، تخليت عنها وحبستها في دولاب الأيام لمجرد أنها مختلفةً عن البقية، هل كُنت ضعيفةً حينها؟
أم كُنت نقيًةً أكثر من الأزم؟
لا أعرف، كُل ما أعرفهُ أني كُنت صغيرةً جدًا على ذلك النصب الذي أصابني حينُها؟
كُنت وحيدةً بالمعنى الحرفي للوحدة، لاقمر يُنير في سمائي، ولا نجوم أستدل بها إلى النور، كُل ماحولي يكسوه الضباب، توجس اللهم في داخلي، وتكدست أحلامي وذابت على صفيحِ البؤس واليأس، حتى أُصبت بالكمد الشديد
ها أنا بعد أن سمقت بها إلى فضاءٍ يليق بها، وحلقت بالحبِ، ونهضتُ من بين ركامِ تلك الأيام البائِسة، أدرك كم كنتُ لغوبةً وكم من الحيف الذي أرتكبتهُ بحقها؛ لكنني أشتاق لها حقًا، رغم كُل البؤس الذي عاشتهُ، ورغم كُل ذاك الضياع في لجِ الحياة، إلا كانت مميزةً في ناظري، تلك الطفلة التي لم يفهمها أحد غير الحروف، ولم يصادقها أحد غير الورق، أشتاق أن أعود إليها وأنظر إلى الغيوم بتلك العيون، بتلك النظرة، وبتلك الأحلام، أريد أن أعود ليومٍ واحد وأرافقها فيه، وأخبرها بأن المستقبل أجمل مماترى، وأخبرها ألا تحزن، لاشيء حزنت عليه أستحق، ولا شيء مماخافته تحقق، أريدها فقط أن تبتسم، وتشعُر يومًا واحدًا بالأمان المطلق.


- اليمن -

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x