مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

تباريح الوجع - عبد اللطيف الهدار

 

يداهمني هوسٌ كلما لاحَ في أفقٍ شجرٌ فادحُ العريِ يسمقُ في العقمِ واليتمِ إذْ يعتريني شعورٌ بأني أسيرُ صعودا إلى حيثُ المنافي وصمت الوجود. كذلك تغدو زهورُ البراري نشازا وركبُ النجومِ متاها وسربُ القطا عابرا لجفافٍ يسدُّ مسدَّ العويل، فلا أنت تدري أتقتاتُ من تربةٍ ثكلت زرعها أم وقعتَ كسيرا بُعيْد انعطافٍ كثيرِ المطبّاتِ أم أنت في الوهمِ تكرعُ من ضجرِ الوقتِ غيرَ قليلٍ من العلقم الأسود؟ وأنت ترى أن من كان يجدرُ بالمقتِ قد صار يرتع في بلد الصبرِ من غير ردْعٍ ولا خجلٍ أو حساب. ومَن بالأعالي جديرٌ تراهُ وحيدا يلوك المُرارَ على وقع لحنٍ حزينٍ وغبن فظيع تراكمَ من زمن المكر واللؤمِ والآنَ يقبعُ في عزِّ ليلٍ كئيبٍ رهينٍ لوعدِ السراب.

كأني إذا ما الذهولُ رماني أسيحُ على غير هدْيٍ عساني أفرُّ بجلدي وأنجو بنفسي وأعثرُ في سرحتي عن سلامٍ يقيني ظنوني، يُزكّي جنوني، يهزُّ كياني.
عساني أُساجرُ حبّا سباني.
كأني أقيم على محنة من شموسٍ أضاعتْ سطوعا، فلا هي تُشرقُ بعد ظلام، ولا هي تأفل عند أصيل، ولا هي تُدْفئ أوصال شيخٍ تنكّبَ بردَ دهرٍ قضى في انتظارٍ عقيم.
وهذي الليالي تمرُّ علينا مرور الصقيعِ على طحلبٍ في العراء، فلا نحن نحيا ولا نحن نفنى ولا نحن نصبرُ في ذا الجحيم المُثلّج أو نفقهُ السرَّ فيما دهانا.
كأنَّ الزمانَ جفانا...

أنا كنتُ أحلمُ بالنّرجسِ الأبيضِ المشرئبِّ البياض، وكنتُ أتوق إلى مهرجانٍ منَ الياسمينِ على موعدٍ مع فجرٍ جديد. وكنت أجاري جنوني، أناجي شجوني، أداري أموري وأخفي همومي. وكان الزمان قتيما، وكان الصباح عقيما، وكان النهار جحيما. ولمْ أكُ غير غريب يهاجر في زحمة الوقت والسخطِ.، ينشدُ بعضَ سلام.
وها أنذا أمتطي بعد قحطٍ عسير بساطَ المواويل. جناحي مهيض، وخطوي شريد، وليلي جهيض. ولا مِنْ نديمٍ ولا مَنْ يواسي سوى دمعةٍ رطبةٍ تنتهي في الهديل. وذاكرةٍ ما تزالُ تصونُ ودادَ التّراب وبوح الصهيل.
وهذا السبيل، تُراهُ يعي ما طواهُ؟ تراهُ يقاومُ أم يتركُ الحبلَ ينساقُ ملءَ هواهُ؟ تراهُ يقودُ إلى فرحٍ أم إلى خيبةٍ وعويل؟

أجئُ من الهامشِ الأغبرِ المنزوي بين أعطافِ ليلٍ توغّلَ في حلكةٍ قُدَّ ديجورُها من سديم الجحود.
أجئُ ونصبَ الفؤادِ سراجٌ يداري ذبالتهُ في أماسي الكهوفِ وصفقِ الريّاحِ وقصفِ الرعود.
أجئُ على صهوةِ الرفضِ بين ثنايايَ أوجاعُ رصيفٍ يلوذُ بصمتٍ عجيبٍ وصبرٍ عنيد.
أجئُ على كاهلي كتلةٌ من وعودٍ أضاعتْ مواعيدها عند منعرجاتِ اللظى والحديد.
أجئُ وملءَ الجفونِ سهادٌ ثقيلٌ وماءٌ حزينٌ تراكمَ من معضلاتِ الوجود.
أجئُ وفي مُقلتيَّ دموعٌ وبين يديَّ سلالُ ورود.



- المغرب -



حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x