مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

البصير - زغموتي نورالدين


 تعرفت عليه في مقهى محطة القطار ، والتي كانت مملوءة عن آخرها ، كل الركاب كانوا يأخذون إفطارهم قبل مجيء قطارات وجهاتهم ، والأغلبية متوجهون إلى الرباط، طلبة ، موظفون وأساتذة ، يسكنون في مدينة القنيطرة ويشتغلون ويدرسون في الرباط، بل هناك من يشتغل حتى في الدار البيضاء مثلي، نعم فالشركة أعطتني سيارة ، ولكني أفضل الذهاب بالقطار لأنه مريح وغير مكلف، ليس كالسيارة  التي تتطلب منك جهدا ، خاصة عندما تدخل إلى المدينة ومعانات الإزدحام ، والتفرعات المدوخة ، وقد تستغرق للوصول إلى العمل وقتا أكثر من الزمن الذي قضيته من القنيطرة إلى الدار البيضاء. المقعد جنبي فارغ، نظر نحوي وسألني ( ممكن أن أجلس معك ) قالها بلكنة ربما مصرية ، أجبته ( بكل صرور ) كان متأنقا يلبس بدلة زرقاء وأوربة سماوية وقميص أبيض ، يحمل في يده عصى ظننتها في الأول مظلة، ولكنه لما طواها ووضعها أمامه ، اكتشفت أنها عصا يهتدي بها العمي، نظرت إلى عينيه .. عيناه مفتوحة وسوداء وجميلة ، ولكنها لا تنظر إلي حينما يكلمني، عرفت أنه أعمى ، فتساءلت كيف وصل حتى إلى هنا ، وعرف بأن المقعد فارغ .. طلب قطعة من الكيك وكأس قهوة بالحليب ، وقال لي
عصام.. إسمي عصام من السودان
تشرفت .. اسمي نور الدين .. ولا حاجة أن أقول لك مغربي..
ضحك .. وسألني
هل أنت ذاهب إلى الدار البيضاء؟
نعم .. إني ذاهب لشركة أشتغل فيها ، ولكن لساعات قليلة.. وأعود
ستعود إلى القنيطرة؟ -
بالطبع... فأنا أقطن هنا... -
أنا ذاهب إلى الدار البيضاء لحظور تسليم دكتوراه لصديق سوداني.. -
جميل جدا وبكل توفيق.. تكلمنا كثيرا ، وافترقنا في محطة مدينة الدار البيضاء، لنلتقي في مقهى الكأس الذهبي ، لأنه يقطن في نفس الحي الذي أسكن فيه وكانت صدفة جميلة بحيث أصبحنا نلتقي في مرات عديد.
أذكر في ذلك اليوم، وحين أتى ذلك الرجل النحيل جدا ، وكما عادته تململ يمينا ، وأخرج علبة الدخان ، وأخذ منها سيجارة، وتململ يسارا وأخرج من جيب سترته ولاعة فضية ، وضرب برأس السيجارة برفق صفحة الطاولة ، ليكدس التبغ داخلها، ووضعها على  جانبه الأيمن على المائدة ، وأشار إلى النادل بيمناه المتعبة، وكأنه يقول له .. تأخرت اليوم في إعطائي كأسي.. فأتاه النادل معتذرا مبتسما ، لم يشكره ولم يبد له الرجل النحيل أي مودة ، كان وجهه خال من أي علامة .. كان حزينا جدا .. فقال لي عصام وأنا أجالسه هذا الصباح ...(المسكين وجهه خال من أي تعبير ... التعبير الوحيد الذي يظهره هو الإنتظار .. انتظار الموت.... يأتي إلى هنا فقط ليلبي أمنيته الأخيرة ، كأس قهوة وسيجارة) ، فسألته .. كيف عرفت ؟ عرفت من الريح التي تأتي خفيفة من أمامي ..كيف؟.. جسده النحيف جدا لا يرد علي إلا القليل منها .. وعرفت بأنه رجل متعب مريض ينتظر الموت.. ولما أشعل سيجارته وعل من كأسه لم تكن له تلك القوة الكافية ، ليدفع و ينفث الدخان بعيدا عن وجهه ..صحيح قلت له .. فقال لي نربي فينا طرقا كثيرة لنرى.. وضحك .. وتأكدت مما قاله لي يوما ، حين التقيته ليلا بعيدا عن سكنه وسكني ، وقبل أن أسلم عليه ، انطفأ الضوء فجأة في كل الحي ، ولما أخذ يدي قال لي ... هذه المرة أنا الذي سيرى طريقك .. وفعلا وصلت إلى مسكني بلا أي مشكل أو تعثر أو زلل..


- المغرب -

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x