مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

طرق على الباب - أحمد بنعيسى

اخترق طبلة أذنه طرق عنيف على الباب الخارجي، فترك سريره قافزا كمن لسعه عقرب، ارتدى التبان، وعوض أن يفتح باب الغرفة، وقف حائرا، حركتاه غير الإراديتين:

 


اخترق طبلة أذنه طرق عنيف على الباب الخارجي، فترك سريره قافزا كمن لسعه عقرب، ارتدى التبان، وعوض أن يفتح باب الغرفة، وقف حائرا، حركتاه غير الإراديتين: اندفاعه من السرير كسهم، وارتداؤه التبان الصيفي بسرعة فعلان غير واعيين، فقد كانا مجرد ردة فعل للطرق العنيف على الباب.
وقف عند العتبة يحلل وضعه، أو لعله وقف ليستيقظ كليا، داهمه شعور عنيف يحثه للعودة للسرير، ولكنه قرر الانتظار قليلا، ولما لم يتكرر الطرق على الباب، خلع التبان وعاد للسرير، وباستلقائه
عليه كان قد صحا تماما، واسترجعت الأحداث والأمور معقوليتها، يذكر أنه لم يخلد للنوم إلا منذ ساعة، وأن العقرب ما زال يطارد دقائق السادسة صباحا، ودوامه في المحكمة سيستهل بعد ساعتين من الآن، عليه استغلال ما تبقى من الوقت للنوم، وإلا لن ينتفع بنفسه هذا اليوم، يدرك أنه سيمر عليه صعبا ويحياه كالمسرنم إن لم ينم ساعتين على الأقل، يسترجع الآن ذهنه بصفاء أن الطرق الذي أيقظه من النوم تكرر طوال الأيام السابقة التي مضت، وفي كل مرة يكون رد فعله مختلفا عن رد الفعل السابق، في اليومين الأولين من الطرق، كان يمضي حتى الباب الخارجي ويفتحه ولكنه لا يعثر على أحد، أما في اليوم الثالث فانتظر الطارق ليكرر طرقه كشرط للتحامل على نفسه وفتح الباب، غير أن الطرق في ذلك اليوم توقف عند المرة الأولى ولم يكرر نفسه، في اليوم الرابع بمجرد ما سمع الطرق طار نحو الباب الخارجي وبيده هراوة، فتح الباب، فتلقته الريح بهبوبها البارد ولكنه لم يجد أحدا، تشنجت أعصابه ووقف الشعر في رأسه. في اليوم الخامس، سهر حتى الفجر يدرس قضية موكله المتهم بسرقة الدجاج من أحواش أهل القرية والتي سيبث الحكم النهائي فيها يوم غد، وهو الأمر الذي جعل المحامي الشاب يأخذ وقتا طويلا حتى يستوعب حدث الطرق على الباب، فلم يكن قد نام حينها سوى ستين دقيقة.

طوال أيام الطرق حلل الوضع جيدا، وقلَّبَه على وجوهه المختلفة، أقام في ذهنه مختلف السينريوهات، ولكنه عندما يرافع هذه السيناريوهات فإنها لا تصمد إزاء حجاجه القوي، فكر في وفاء صديقته القديمة، لقد توعدته في آخر محادثة بينهما بانتقام لا يبقي ولا يذر، قائلة له وهي تضغط على الحروف: "ستندم أيها الحقير"! ولكن وفاء تزوجت بابن عمها بعد ستة أشهر من انفصالهما، وقد مر على ذلك الآن أكثر من عامين، علاوة على أنها انتقلت بحكم عمل زوجها إلى غرب البلاد، فبينه وبين وفاء مسافات آلاف الكيلومترات ومشاغل الحياة الزوجية والعناية بشؤون الأولاد التي لا تنتهي، وبالرغم من انقطاع أخبارها عنه، يفترض أنها أنجبت أولادا، فلطالما أخبرته في محادثاتهما الحميمية أنها تحب الأطفال، وتود أن يكون أطفالها منه، كانت تهمس في أذنه عبر سماعة الهاتف بدلال: "أريد الإنجاب منك"... فلا شك إذن أن هذه الأسباب كلها أطفأت في قلبها جذوة الانتقام، أحيانا يسيح المحامي الشاب في واد التفكير مسترجعا علاقته بهذه الإنسانة، فهو لا يستطيع القبض على ملامح تلك العلاقة بوضوح إلا القليل القليل، تبدو من موقعها هذا وكأنها حلم بعيد، غير أنه كان حلوا فيما مضى من الأزمنة. ولما تهاوى هذا الافتراض، فكر في بعض أصدقائه، فلعل أحدهم أو بعضهم قر عزمه على العبث به، غير أنه عندما يلتقيهم في بعض المناسبات، لا يبدو على صفحات وجوههم ما يشي بمؤامرة تحاك خلف ظهره، وهو الذي دأب بحكم التجربة على التقاط ما يخفى وراء كلمات موكليه، حيث لا يجد صعوبة في كشف ارتكاب الجرم إذا كان الموكل قد ارتكبه فعلا، ومهما تمنع الموكل في البداية عن الإفصاح، فإنه يقر في النهاية. كما لم يفته أن يشك في عبث الأطفال، ولكن الوقت الذي يحصل فيه الطرق عادة، يمنع من أن يكون الطارق طفلا يريد العبث، فأي طفل ينهض في هذا الوقت المبكر ليدق على الباب ويفر؟. في الليلة السادسة التي كانت تصادف ليلة السبت، عزم المحامي على السهر للصباح لكشف الخديعة، فالسبت يوم عطلة، وبالتالي لن يخسر شيئا إذا ظل ساهرا طوال الليل، سيتخذها فرصة لمراجعة بعض القضايا القديمة بعد أن أغلقت قضية موكله سارق الدجاج، وحكم بستة أشهر نافذة مع غرامة قدرها ثلاثة آلاف درهم، عندما اقترب موعد الطرق أمسك الهراوة ووقف خلف الباب متحفزا، انتظر لحظات وقلبه يضطرب في صدره كطبل، ثم فجأة: "طقطقطقطقطقطقطق"
جذب باتجاهه مغلاق الباب بقوة فانفتح الباب على الشارع، اندفع هر أبيض مبلل نحو الداخل مستغلا الفراغات بين رجلي المحامي، كانت صباح التي تقطن البيت المجاور لمنزل المحامي وافقة عند العتبة تنظر للهراوة في يد المحامي، وعوض أن تقول شيئا شرعت في القفز والضحك، وضع المحامي -وهو ما زال منفعلا بسبب اندفاع القط- الهراوة خلف الباب من الداخل، وقال: "أأنت التي كنت تدقين الباب كل صباح يا صباح؟" ردت صباح وهي ما تزال تقفز وتصدر أصواتا: "هههو هههو نعم نعم، أنا كنت أدق"، فقال المحامي: "وماذا تريدين في هذا الوقت الباكر"، فقالت وهي لا تكف عن القفز وإصدار الأصوات بما يشبه الفرح: "أريد قنينات الماء الفارغة... أريد قنينات الماء الفارغة"، فرد المحامي: "سامحك الله، ألم تكوني تستطيعين الانتظار حتى تشرق الشمس على الأقل؟"، قال ذلك وأغلق الباب، توجه نحو المطبخ وأخذ قنينتي ماء فارغتين، ثم فتح الباب من جديد وسلمهما لصباح، أمسكت القنينتين وزادت من سرعة قفزها وصراخها ضامة القنينتين لصدرها، ووجها ينظر نحو السماء، ثم في نصف ثانية كانت قد مرقت إلى بيت أمها الأرملة المحاذي لبيت المحامي، أغلق المحامي الباب وأخذ الهراوة معه نحو الداخل، شعر بالإرهاق يثقل رأسه، فتوجه للسرير، وبمجرد أن تغطى، تذكر القط الأبيض المبلل الذي انسل من بين رجليه، فخرج من الغطاء، وهم بالبحث عنه لطرده، بحث عنه في أرجاء المنزل، نقب في كل زاوية وتحت كل آنية، في المرحاض والمطبخ وباقي الغرف والسطح وفي تجويف الغسالة وفي فراغات الدلاء، لكن القط لم يكن هناك، تبخر مثل دخان شفاف، وعندما اشتدت بالمحامي وطأة التعب ألقى جسده على السرير، فسقط صريع النوم.

- المغرب -

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x