مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

طيف عابر - إبراهيم الصعب


 لحظة واحدة بين الفراغ والمكان ، بين الوجود وعدمه ، بين الشيء واللا شيء ، فتحت عيناي على مكان لم يره أحد غيري ،  أعتقد أنني كنت على صواب وأنا مخطىء حينها ، لا أستطيع الرؤية ، لا يوجد أي شيء ، لا نور ولا هواء ، حاولت النهوض والحركة ، لم أقدر ، اصطدمت بجدار حجري وعليه بعض الطين الرطب ، بدأت أصرخ وأصرخ ولكن صراخي كان يضيع في الفراغ ، أحسست بالضيق والخوف الشديد ولكن لا يوجد مهرب ، تمنيت حينها أنني لم أكن ، بحالتي تلك رجوت أي شيء يخرجني ، يسحبني إلى أي مكان ، حتى جاءت طفلة صغيرة غير واضحة المعالم ، وقفت فوق الحاجز الذي يفصل بيننا ومدت يدها وانتزعتني من ضيقي ، لا أخفي أنني كنت حينها لا أملك سوى الرعب ، من تلك الصغيرة لا أعرفها ولكن أحس بأنني أعرفها جيدا ، أخذت يدي بيدها وجرتني وراءها ، لا أعرف إلى أين ، حاولت السؤال من هي من أين أتت ، فنظرت إلي نظرة لا يمكن تفسيرها ، ولم تجب ثم تابعت سحبي من يدي بقوة وعنف ، إلى أن وصلت إلى مكان أجمل ما تراه عين ، وتوقفنا به ولكن لم يلتفت أحد إلينا وكأننا غير مرئيين ، الكل كان سعيدا ، هذا يضحك ، وذاك يأكل شواء ، جميع أصناف الطعام والفواكه وما لذ وطاب من كل شيء ، أشكال أجسادهم تدل على رغد الحياة ، الكل كان يملك بطنا كبيرا ، وأجسادا كبيرة ، من هم ؟؟؟ لا شيء سوى عدم المعرفة مني ، أجلستني تلك الصغيرة بمكان يمكنني ملاحظة كل شيء ومراقبة المكان بشكل جيد ، قامت تلك الطفلة بالإختباء وراء ظهري وكأنها لم تكن تريد رؤية ذلك النعيم ، لم أعر الموقف انتباهي ولكنني لم أفهم ولم أر أي شيء غريب على قدر علمي ، حاولت السؤال من هم هؤلاء،  كيف لهم كل هذه السعادة ، ما العمل الذي قاموا به حتى نالوا كل هذا النعيم ، لكنها لم تجب بل مسحت على عيني وليتها لم تقم بفعلها ، رأيت الشيء الذي أخافها وجعلها تقف وراء ظهري ، كانت بطونهم الكبيرة إنما هي نار مستعرة ولكنهم لا يشعرون ، أما رؤوسهم فكانت فارغة وكأنها قطع مظلمة لا أكثر ، ثم عاودت المسح على عيني ، فرأيت كل شخص منهم ومعه فتاة تجره وهو لا يدري بها ، وكانت الفتيات أشبه بالمسوخ ، المرض منتشر بأجسادهن الجرب والطاعون والجدري،  كلها قد اجتمعت بأجسادهن ، حاولت الهرب ولكنني لا أقدر ، فطفلتي أمسكت بيدي ولكن هذه اللحظة بدأت تزداد جمالا ، تلونت عينيها بأجمل الألوان وبدأ الإشراق على وجهها ، ثم نهضت وومشيت وراءها إلى مكان قريب وغاصت تحت ذلك الفردوس ، شخص بصري وتسمرت بمكاني ، فلا يوجد سوى الرجال والأطفال والنساء ، كلهم يقفون ويحملون ذلك الفردوس على ظهورهم ، كان الجوع والفقر ظاهرا على وجوههم ، ثياب ممزقة وقروح بكل أرجاء أجسادهم ، ورغم هذا كان يصدر من أجسادهم رائحة الطيب ، ويشع من أعينهم النور،  أمر محزن ومريح بذات الوقت ، كان من بينهم رجل طاعن في السن ذو لحية شديدة البياض ، ووجه شديد الإشراق ، له رائحة لم أشتم مثلها ، لم يكن مثلهم فهو لا يحمل على كتفيه أي شيء رغم أنه كان يبدو أقوى منهم جميعا بل كان يحاول منعهم من القيام بما أجبروا عليه ، ولكنهم لا يأبهون به ، فعيونهم كانت قد سملت،  وآذانهم قد صمت ، الرجل يحاول مداواتهم ولكنه غير قادر ، فهم لا يعرفون بوجوده ولو علموا به لأزاحوا ثقلهم فوق ظهورهم ، أكثر المشاهد التي آلمتني منظر الأطفال وهم يحملون الكثير ، يريدون الحراك والخروج لكنهم لا يستطيعون ، فالحمل كان ثقيلا جدا فمن فوقهم أناس أحجامهم كبيرة وحملهم صعب ، أردت الرجوع ، فما عدت أطيق ، فحبذا ذلك المكان الضيق الرطب، فبه لا ينال من كرامتي ، ساقتني تلك الصغيرة إلى الرجل العجوز ، مسح على رأسي وفتح عيناي ، علمت من هو ، ماذا يريد ، ضممته إلى صدرة ضمة طويلة تمنيت أنها تستمر إلى الأبد ، فتاتي أصبحت أكثر مخلوق يحمل الجمال ، أخذت بيدي وأعادتني إلى المكان الرطب والضيق ، ثم اختفت ، أين أنا ..... صدمت عندما وجدت نفسي مطروحا على الأرض وقد تبلل وجهي من ماء الطريق ، عندما صفعني أحدهم ... لملمت نفسي وعدت إلى بيتي وغرفتي الصغيرة ... نظرت إلى الزاوية المهجورة ، اعتذرت منها وأخذت صحفي لأنظر إلى ذلك الوجه المشرق فيداوي جروحي ، ويعلمني أساليب الحرب ، الحرب التي ستدمر الفردوس الذي يعيش به الأغنياء والحمقى على ظهور الفقراء......

- سوريا -

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x