مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

البعد الجمالي للمكان في الأدب الشعبي" ألف ليلة و ليلة نموذجا". - نجاة الغوز

الإنسان كائن قاص و سارد، وقد لزمه منذ القدم، ولا نغالي القول إذا ما اعتبرنا السرد أول ما أنشأته الإنسانية بتعبير " بيير جانيه" ذلك أن تواتر الأخبار

 



الإنسان كائن قاص و سارد، وقد لزمه منذ القدم، ولا نغالي القول إذا ما اعتبرنا السرد أول ما أنشأته الإنسانية بتعبير " بيير جانيه" ذلك أن تواتر الأخبار و الأحداث و المواقف كانت وجها من أوجه السرد، و يعتبر رولان بارت أن السرد موجود في كل الأزمنة و الأمكنة بل في كل المجتمعات، حيث أنه يبدأ مع التاريخ أو مع الإنسانية، ولا وجود لشعب دونما سرد ، و أن الطبقات الإجتماعية تبني مستويات مختلفة من السرد لذلك حسب بارت فالناس من مختلف الثقافات يسعون لتذوق هذه السرديات ، و لفهم السرد لابد من تفكيك نسقه و بنائه بغية بناء تصور منهجي حوله خاصة إذا ما تعلق الأمر بالسرد القديم و المكان السردي أو بحثا عن الأبعاد الجمالية للمكان ضمن السياق الثقافي و الوجداني الذي أسست على إثره تصورات و رؤى في إطار فضاءات مكانية متداخلة ناسجة فيما بينها خيطا رفيعا للرؤية و الفكر الجمالي في جانب من جوانب النص وهو المكان.
إن حضور المكان في الأدب الشعبي له خصوصياته الجمالية و الفنية، خاصة إذا كان هذا المكان في السرد العربي القديم وعلى وجه الخصوص في حكايات" ألف ليلة و ليلة" ذلك أنها خلاصة ثقافات أدبية مختلفة المشارب و مبنية على حياكة سردية أساسها أسلوب سردي محكم البناء و دلالات متنوعة السياق ، ثرية خياليا و إبداعيا.
حكايات "ألف ليلة و ليلة" إلى جانب دقتها السردية و براعتها الأسلوبية يمكن أن تندرج كذلك ضمن ما يسمى بالأدب الشعبي ، فهي تمتح من الإقبال الشعبي و الجماهيري المختلف عليها هذه السمة، الناقد عبد المالك مرتاض مثلا يرى أن شعبية حكايات "ألف ليلة و ليلة" ليست مغمزة فيها بقدر ماهي كمال لها، فلا يشتهر أدب من الآداب و لا يذيع شأن عمل من الأعمال إلا إذا أقبل الناس عليه يقرؤونه و ينقدونه و يروجون لخلوده، و يمدون في أسباب حياته.بهذا التوجه الواضح معالمه، تكمن شعبية حكايات " ألف ليلة و ليلة" أي في الإقبال الكبير على مدارستها و نقدها، وكل هذا يصب في قالب استمرار الحياة الإبداعية لهذه الحكايات السردية ، و المكان أيضا كان له دور في تأثيث جماليات السرد المحكي لهذه الحكايات. و بناء عليه يحضر المكان في هذه الحكايات ببعده الجمالي و التخيلي و الصوفي و الأسطوري...
إن الشخصيات و القوى الفاعلة في حكايات "ألف ليلة و ليلة" تساهم بشكل أو بآخر في إضفاء أبعاد جمالية خاصة بل إنها تتأثر بالمكان و الزمان السردي معا ليشكلا معا بعدا ثقافيا و سرديا مميزا في بوثقة جمالية محكمة النسج و البناء، ذلك أن المكان في حكايات" ألف ليلة و ليلة" ليس مكانا فارغا أو سلبيا بل يساهم في تأثيث المشاهد الجمالية و الرؤى الإنسانية التي حبكت على إثرها هذه الحكايات، فالعنوان يشير بشكل ضمني للمكان، حيث ارتبطت الحكايات بمكان الرواية والسرد، وهو القصر الخاص بشهريار، المكان الذي يدور في بوثقة الخرافي العجائبي الأسطوري، إنه فضاء يؤثث للغرائبية و الخيال،ذلك أنه يأخذ مادته السردية من غاوية الخيال و الغرائبية وهو ما نلمسه بقوة كبيرة في نموذج حكاية السندباد البحري تلك الحكاية التي بنيت على ثنائية مكانية هي : الظاهر و الباطن ذلك أن المكان الظاهر هو المكان الملموس المحسوس المعروف و الباطني هو المكان الذي يلامس في ثناياه تلك الميزة الغرائبية المجهولة الباعثة على الاستغراب وفوق المألوف و العادة.
و يحضر الجمال في البعدين المكانين معا: الظاهر و الباطن، فنلاحظ مثلا البحر ببعده الجمالي و الإيحائي و ما تحمله الكلمة من رموز جمالية حاضرة" و مما يلي البحر قبة من النحاس الأصفر معقود على عشرة أعمدة، و فوق القبة فارس"( ألف ليلة و ليلة ج3 ص 72-73) فيتداخل هذا الجمال بعبق الغرابة و يفارق ألفة المتفق عليه،و في نفس المنحى نرى الوصف الخاص بالوادي باعتباره مكانا عاديا يحمل خصائص جمالية لكنه يخرج عن إطاره الطبيعي، فيصبح مكان عيش كائنات غريبة " فوجدت نفسي في مكان عال يشرف على واد كبير واسع عميق، و بجانبه جبل عظيم شاهق في العلو ... و كل ذلك الوادي حيات تسعى و أفاع كل واحدة مثل النخلة من عظم خلقتها لو جاءها فيل لإبتلعته"( ألف ليلة وليلة ج3 ص 73 ) فيتصل المكان بأسطورة الأفعى العظيمة المهلكة، وفي ذلك تناغم كبير بين مكان له أبعاده الجمالية والنفسية و أسطورة خيالية لأفعى تعيش فيه. فرغم الآثار السلبية لهذا المكان على نفسية المتلقي و ما يخلفه من آثار خوف و فزع و نفور إلا أنه يرسم بذلك لوحة سردية و تشكيلا عجائبيا جماليا للمكان السردي في هذه الحكاية.
في مقابل هذا توجد أمكنة سردية مريحة تعكس الجمال بصورته الإيجابية خاصة عندما يصف السارد على لسان السندباد عينا جارية " و في تلك الجزيرة عين جارية نابعة من صنف العنبر الخام،وهو يسيل مثل الشمع على جانب تلك العين"فالعبارة كفيلة كي تقذف في قلب المتلقي راحة نفسية و إنشراحا ذاتيا ، لأن المكان على جمالية الوصف ينشر في ذات المتلقي الطمأنينةالسردية إن صح القول و يخلق المتعة القرائية.

إن فكرة صياغة الأمكنة في حكايات "ألف ليلة و ليلة" بأبعادها التخييلية و الأسطورية في زوايا كثيرة منها تؤثث لجمالية المكان في تبلور رؤية العجائبي و ضمن خيال متنوع يتأسس على الإدراك الجميل و القبيح ، المريح و المخيف في بناء ونسج عالمين مختلفين ( ظاهر/باطن) و تثير في ذات الآن تساؤلات تثير الدافعية القرائية و الـتأويلية في اندثار واضح للزمن و المكان بل ذوبان بعضهما في بعض و في خليط من الغرائبية و العجائبية.

- المغرب -

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x