تُعَاشُ الْحَيَاةُ بِعَدِّ النَّفّـــسْ
وَعَــــــــــدِّ الْعُدَاةِ وَعَدِّ الْعَسَسْ
إِلَيْهَا دَنَوْتُ دُنُوَّ الصَّبِيْــــــــــ
ــــــــيِ يَدْنُــــــو إِلَى أُمِّهِ فِي الْغَـلَسْ
وَكُنْتُ أَظُنُّ الْمـــــَرَامَ بَلَغْـــــــ
ـــــــتُهُ حِينَ أَغْدُو بِظَهْرِ الْفــــــــَرَسْ
وَلَكِنَّ وَهْماً وَثِـــــــقْتُ بِهِ
أَضـــــَرَّ بِقَلْبٍ ذَوَى وَابْتَــــــــأَسْ
وَعَيْنِي لَكَمْ تَعِبَتْ مِنْ بُكَا
أَيَبْكِي مِنَ الْقَرْعِ ذَاكَ الْجَــــــرَسْ؟
كَأَنِّــــي لِوَحْدِيَ كَبْشُ الْفِدَا
وَمَنْ أُنْزِلَتْ فِيهِ حَــــــــقّاً عَبَسْ
********************
وَقَفْتُ عَلَى بَابِهَا حَاجِـــــــــباً
وَأَنْتــــــَظِرُ الْأِذْنَ كَيْ أُفْتَرَسْ
فَيَـــــا سَائِلِي عَنْ رِضىً حُزْتُهُ
وَلَــــمْ أَرَ فِيهَا رَضــــىً يُلْتَمَسْ
فَـــــــــــلاَ حَـــقَّ فِيهَا إِذَا رُزْتَهَا
وَكُـــــلُّ تَفَاصِـــــــــيلِهَا مُقْتَبَسْ
تَرَاهَا إِذَا عَاهَدَتْ نَكَـــــــــثَتْ
وَلــــــَوْ طَمْأَنَتْكَ بِرُوحِ الْقـــُدُسْ
وَتُغْرِيكَ بِالنِّصْفِ فِي يَوْمِـــهَا
فَيُصْبِحُ فِي الْغَدِ رُبْعَ السُّـــدُسْ !
فَيَــــــا ضَيْعَةَ الْعُمْرِ فِي زَيْفِهَا
وَيَا ضَـــــــــائِعاً لاَئِذاً بِالْخَرَسْ
إِذَا رَأْسُـــــــهَا غَابَ فِي بَحْرِهَا
فَهَلْ كَانَ يُنْجِيهِ طُولُ النَّـــــفَس؟
فَأَنَّــــــــــى سَنَرْتَاحُ مِنْ سِجْنِهَا
وَأَنَّـــــــــــى تَنَامُ عُيُونُ الْحَرَس؟
- المغرب -
قراءة برشلونة الأدبية:
مقدمة
تعتبر قصيدة "يا سائلي" للشاعرة لطيفة أثر رحمة الله من القصائد التي تحمل في طياتها عمقاً فلسفياً وعاطفياً يعكس تجربة شخصية وواقعية تعيشها الشاعرة. القصيدة تتناول موضوعات الحب والخيبة والأمل المفقود بأسلوب شعري فريد يجمع بين الصور البيانية واللغة الموسيقية.
تحليل القصيدة
البيت الأول والثاني:
**تُعَاشُ الْحَيَاةُ بِعَدِّ النَّفّـــسْ
وَعَــــــــــدِّ الْعُدَاةِ وَعَدِّ الْعَسَسْ**
تبدأ الشاعرة بقوله أن الحياة تُعاش بتعداد الأنفاس، وهنا نجد تصويراً للحياة بأنها مجموعة من اللحظات المتكررة التي يمكن قياسها. ثم تنتقل لتتحدث عن "عد العداة" و"عد العسس"، مما يشير إلى التوتر والمراقبة المستمرة التي تحيط بالشاعرة، حيث يُحاط الإنسان بأعداء وحراس يشرفون على كل حركاته، مما يخلق جواً من التوتر والضغط.
البيت الثالث والرابع:
**إِلَيْهَا دَنَوْتُ دُنُوَّ الصَّبِيْ
يَدْنُــــــو إِلَى أُمِّهِ فِي الْغَـلَسْ**
تشبه الشاعرة نفسها بالطفل الذي يقترب من أمه في ظلمة الفجر، مما يعكس رغبة قوية في الاقتراب من شيء أو شخص يعتبره مأوى وأماناً. هذا التشبيه يبرز الحاجة العاطفية الكبيرة للشاعرة، والحنين إلى الأمان والراحة.
البيت الخامس والسادس:
**وَكُنْتُ أَظُنُّ الْمـــــَرَامَ بَلَغْـــــــ
ـــــــتُهُ حِينَ أَغْدُو بِظَهْرِ الْفــــــــَرَسْ**
هنا تعبر الشاعرة عن اعتقادها السابق بأنها قد وصلت إلى هدفها أو مرادها، مشبهة ذلك بركوبها على ظهر الفرس، وهو رمز للقوة والسيطرة. لكن سرعان ما يتضح أنها كانت تثق بوهم، مما أدى إلى شعورها بالألم وخيبة الأمل.
البيت السابع والثامن:
**وَلَكِنَّ وَهْماً وَثِـــــــقْتُ بِهِ
أَضـــــَرَّ بِقَلْبٍ ذَوَى وَابْتَــــــــأَسْ**
تكشف الشاعرة عن أنها كانت ضحية لوهم كبير، وهذا الوهم أضر بقلبها وأدى إلى ذبوله وحزنه. هذه السطور تحمل في طياتها تعبيراً عن الألم العاطفي والخيبة الكبيرة التي عاشتها.
البيت التاسع والعاشر:
**وَعَيْنِي لَكَمْ تَعِبَتْ مِنْ بُكَا
أَيَبْكِي مِنَ الْقَرْعِ ذَاكَ الْجَــــــرَسْ؟**
تصف الشاعرة حال عينيها المتعبة من كثرة البكاء، متسائلة هل يمكن أن يبكي الجرس من كثرة القرع؟ هذا التساؤل البلاغي يعكس حالة من اليأس والإحباط، حيث أن بكاءها لم يعد يغير شيئاً في واقعها المؤلم.
البيت الحادي عشر والثاني عشر:
**كَأَنِّــــي لِوَحْدِيَ كَبْشُ الْفِدَا
وَمَنْ أُنْزِلَتْ فِيهِ حَــــــــقّاً عَبَسْ**
تشبه الشاعرة نفسها بكبش الفداء، الذي يُضحي به ليكفر عن الآخرين، وتشير إلى قصة عبس في القرآن الكريم. هذا التشبيه يعكس شعورها بأنها تضحي بنفسها دون أن تجد من يقدر تضحيتها أو يعترف بألمها.
البيت الثالث عشر والرابع عشر:
**وَقَفْتُ عَلَى بَابِهَا حَاجِـــــــــباً
وَأَنْتــــــَظِرُ الْأِذْنَ كَيْ أُفْتَرَسْ**
تصور الشاعرة نفسها واقفة على باب محبوبتها كحاجب ينتظر الإذن ليُفترس. هذا التصوير يعكس حالتها النفسية المضطربة والشعور بالانتظار المؤلم للحصول على الحب والاعتراف.
البيت الخامس عشر والسادس عشر:
**فَيَـــــا سَائِلِي عَنْ رِضىً حُزْتُهُ
وَلَــــمْ أَرَ فِيهَا رَضــــىً يُلْتَمَسْ**
تخاطب الشاعرة السائل عن رضى قد حصلت عليه، لكنها في الحقيقة لم ترَ فيه أي رضى يُمكن أن يُلتمس. هذا يبرز التناقض بين ما يُعتقد وما هو موجود فعلياً.
البيت السابع عشر والثامن عشر:
**فَـــــــــــلاَ حَـــقَّ فِيهَا إِذَا رُزْتَهَا
وَكُـــــلُّ تَفَاصِـــــــــيلِهَا مُقْتَبَسْ**
تؤكد الشاعرة على أن لا حق في المحبوبة إذا تمت زيارتها، وكل تفاصيلها مقتبسة، مما يعكس فقدان الأصالة والصدق في العلاقة.
البيت التاسع عشر والعشرون:
**تَرَاهَا إِذَا عَاهَدَتْ نَكَـــــــــثَتْ
وَلــــــَوْ طَمْأَنَتْكَ بِرُوحِ الْقـــُدُسْ**
تشير الشاعرة إلى أن المحبوبة لا تفي بعهودها، حتى لو قدمت طمأنة بروح القدس، مما يعكس خيبة الأمل الكبيرة في الالتزامات والوعود الكاذبة.
البيت الواحد والعشرون والثاني والعشرون:
**وَتُغْرِيكَ بِالنِّصْفِ فِي يَوْمِـــهَا
فَيُصْبِحُ فِي الْغَدِ رُبْعَ السُّـــدُسْ !**
توضح الشاعرة أن المحبوبة تغري بالنصف في يومها، لكن في اليوم التالي يصبح ذلك النصف ربع السدس، مما يعكس التلاعب وعدم الثبات في العلاقة.
البيت الثالث والعشرون والرابع والعشرون:
**فَيَــــــا ضَيْعَةَ الْعُمْرِ فِي زَيْفِهَا
وَيَا ضَـــــــــائِعاً لاَئِذاً بِالْخَرَسْ**
تعبر الشاعرة عن حسرة ضياع العمر في زيف العلاقة، وتشبيه الشخص الضائع بالصامت الذي لا يجد ما يقوله. هذه الصورة تعكس الشعور بالضياع والندم.
البيت الخامس والعشرون والسادس والعشرون:
**إِذَا رَأْسُـــــــهَا غَابَ فِي بَحْرِهَا
فَهَلْ كَانَ يُنْجِيهِ طُولُ النَّـــــفَس؟**
تتساءل الشاعرة عن فائدة طول النفس إذا غرق الرأس في البحر، مما يعكس شعوراً بأن الجهود المبذولة في العلاقة لا تنقذ من الغرق في الخيبة.
البيت السابع والعشرون والثامن والعشرون:
**فَأَنَّــــــــــى سَنَرْتَاحُ مِنْ سِجْنِهَا
وَأَنَّـــــــــــى تَنَامُ عُيُونُ الْحَرَس؟**
تنهي الشاعرة بسؤالين يعكسان الحيرة واليأس، متساءلة كيف يمكن الخلاص من سجن العلاقة وكيف يمكن أن تنام عيون الحراس، مما يشير إلى الاستمرارية في المعاناة.
الخاتمة
قصيدة "يا سائلي" للشاعرة لطيفة أثر رحمة الله تعكس تجربة عاطفية وإنسانية عميقة، تتميز بالصور البيانية القوية والمشاعر الصادقة. من خلال استخدام اللغة الشعرية الرقيقة والتشبيهات المؤثرة، تمكنت الشاعرة من تصوير حالة من الخيبة واليأس، مما يجعل القصيدة عملاً أدبياً متميزاً يستحق الدراسة والتحليل.

