مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

عشق الثمانينات - عبدالله الحمري

 



اتخذ حسن جلسته المعتادة على مضض وسط دكان أبيه العتيق،ليقضي يومه معكر المزاج،محروما من متعة لعبته المحبوبة :كرة القدم التي يعشقها عشقا جنونيا.
انطوت الأيام متسارعة ،و الأمور تسير سيرا مطردا مملا،إلى أن شعر ذات يوم بريح تهب من اتجاه غير منتظر !ذلك أن الحياة بدأت تدب داخل منزل طالما كان مهجورا.أقبل قاطنوه من مدينة بعيدة لقضاء ما تبقى من عطلتهم الصيفية .
الكساد يشوب تجارته ،فقلما يأتي أحد الزبائن و ينصرف ،ليقبع حسن على عتبة الدكان يجول بناظريه هنا و هناك ليستقرا فجأة على سطح المنزل المعلوم حيث كانت تجلس فتاة في ريعان شبابها،تبدو كزهرة أرجوانية نبتت في غير مكانها ،و طفقت تبحث حولها عن ماء ترتوي به.
كانت تجلس على كرسي بلاستيكي بمعية إحدى بنات القرية يتبادلان أطراف الحديث و ينظران باتجاهه بين الفينة و الأخرى.تأثر حسن بمظهرها الملائكي و خيل إليه أنهما يطيلان النظر إلى الدكان ،ربما أثار انتباههما فراغه من السلع أو شيء من هذا القبيل ،لكن المسكينة لم تكفها إطالة النظرات ،بل عمدت إلى القيام بحركات :إشارات، لفت نظر ،كلها محاولات بدأ حسن يفهم معناها على الضبط ،لقد كانت تغازله غزلا لطيفا و هي تتضاحك مع رفيقتها ،فيزداد تأثرا بروعتها و أناقتها .
أصبح حسن يبكر في فتح الدكان متحمسا على غير عادته ،إلا أن عصفورته ظلت حبيسة السطح ،ترى إلى متى يستمر الأمر على هذه الحالة ؟عجبا أتاه الرد حالا! ها هي تخرج قاصدة الدكان تختال في مشيتها كاليمامة لترسم بجسدها الممشوق لوحة تضج أنوثة و جمالا وكأنها سبيكة وضيئة تعكس أشعة الشمس الذهبية ،هكذا يصتورها حسن، لقد استهوته حقا،فلم يدر كيف وصلت إليه تطلب مشروب "فانتا" بنبرة لا تخلو من عذوبة ،فتح البرادة بيد مرتعشة ،و ناولها الزجاجة بسرعة حتى لا تشعر بارتباكه!كاد ينبس بكلمة قبل عودتها لكنه ازداد وجوما لما ألقت إليه بنظرة معبرة ،آه لعينيها العسلاوين الناعستين !إنهما تنطقان بأشياء كثيرة في آن واحد،و كأنهما تحملان رسالة مشفرة تطمئن قلبه المتيم.و قبل أن تغادر،رسمت على ثغرها ابتسامة رقيقة مثل قطرة ندى استقرت في تربته اليابسة لتبلل جفافه العاطفي و تسقي أول بذرة عشق فيه.
كان يحلو لها أن تستمتع برونق المكان و هدوئه فتزداد في كل مرة حرصا بأن تبدو أمام حسن في أبهى حلة كأنثى تشتهيها عيون الزبائن الذين لم يتركوا للحبيبين فرصة البوح الجميل عن حبهما.
استغل ذات يوم الهدوء الذي ساد المكان فدفعه فضوله أن يسألها عن اسمها، سكتت لحظة قبل أن تنطق بصوت خافت و قد احمرت وجنتاها و نكست بصرها فازدادت بهاء :اسمي نعيمة! ثم انصرفت مخلفة وراءها جذوة شوق تلهب فؤاد المسكين.
انطلق حسن يخطب ودها طالبا منها أن تقبل منه رسالة من باب الاحتياط تحمل إليها ما يكنه لها من محبة صادقة ،تراقصت على شفتيها الوردتين ابتسامة هادئة و لسان حالها يقول:لطالما انتظرت منك ذلك،بادر إلى كتابتها لآخذها منك مساء!ابتسم حسن مهللا و ناولها الخطاب الذي كان قد خطه مسبقا خوفا عليها من لهيب الانتظار.
ما هي إلا ساعة أو أقل حتى عادت نعيمة برد أخبرته فيه بأن كل عواطفها و جوارحها أصبحت تردد اسم من أحبته من أول نظرة!كما أعربت عن حزنها لأن ساعة الفراق قد تدق في أية لحظة مع انقضاء أيام العطلة المعدودة،و ألحت عليه بأن يبقى هذا الحب طي الكتمان حتى لا يفطن والدها المتشدد للأمر.
لما أنهى حسن قراءة الرسالة و فهم معانيها أحس إحساسا قويا بطيبتها و لماعة ذكائها و حسن سريرتها.
دارت عجلة الزمان و هما على هذا الحال،يتبادلان الرسائل في صمت قاتل تخيم عليهما سحب الفراق القاتمة،و كاد الأمل في التلاقي ينعدم لولا أن بصيصا من نور شع من خلال خطاب نعيمة الأخير :و هو إمكانية اللقاء ليلا فوق سطح منزلها.
ارتاب حسن في أول الأمر،ليس ضعفا منه و لكن خوفا على سمعة معشوقته!و بعد أخذ و رد،قرر تنفيذ العملية في آخر ليلة الفراق بعيدا عن العيون التائهة ،اعرافا بوفاء و تضحية ملهمته نعيمة التي شاركته في إعداد خطة محكمة،حيث كانت تقدم الطعام بسخاء للكلب المتواجد على سطح الجيران ليتقيا شر نباحه ..
في المساء خرج حسن يتفحص المكان من كل الجوانب ،بعدما أمرها باستعمال ضوء مصباح الجيب تعبيرا على وجودها لوحدها على السطح.
ما أطول تلك الليلة!فقد كانت الدقائق تمر و كأنها الدهر ،خرج قبل الموعد المحدد عله يرتاح من هذا الانتظار الخانق لكنه سرعان ما لمح طيفها يتحرك ،و إذا بالضوء يتسلط عليه .في تلك اللحظة أحس بقلبه يزقزق في صدره كعصفور حديث العهد بالقفص!
اتجه حسن بخطوات رشيقة في حذر شديد نحو الحائط ،و ما هي إلا لحظات حتى وجد نفسه قربها على السطح!غمرت السعادة نعيمة فعدلت من جلستها ملتصقة به مرتابة بعض الشيء ،الدهشة تثقل لسانيهما :هو كمن ينسلخ في ذهول من عقدة حلم مضطرب،و هي كظل يرتجف لارتجافه.
كانت جلسة و مناجاة و ساعة من أهنإ الساعات ،في تلك اللحظة تبادر إلى ذهنه أمرا مهما:لا تؤجل معانقة شخص ما عندما يدفعك شعورك إلى ذلك،فقد تفوتك الفرصة إلى الأبد!
حينذاك طوقها بذراعيه،و تعانقا و انتابهما شعور عميق بالامتنان لتلك اللحظة، إنها أجمل تذكار حصلا عليه في حياتهما :قبلة هزت الكيان و ارتوت منها الشفتان فكانت أطيب من الماء على الظمإ، فتمنيا تعطيل عجلة الزمان حتى يبقيا على هذا الحال!
لم يدر كيف انفلتت من بين يديه مذعورة على صوت والدتها تدعوها لمساعدتها في إعداد الحقائب قصد العودة إلى المدينة صباحا .
قفز حسن من على السطح لا يلوي على شيء سوى الوحدة و الوحشة و الذكريات بعدما سافر بها أبوها المتسلط بعيدا بعيدا...

- المغرب -

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x