مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

روح هيفاء - ابيه بظاك



في غفلة مني انسلت روحي، والشواغل تتقاذفتي من ركن لآخر، كما تفعل رياح الخريف بالأوراق الميتة، تلولبني بعنف، تسكّنني قليلا، فتزفني، أرتطم بجدران واقع كئيب كؤود، تهدأ قليلا، فتنبعث مشتعلة، تديرني في مكاني كذبيح آلة ثالمة، بل كحصان الدراسة يدور في دائرة مغلقة، مهرولا والحب ينسلخ عن غشائه، متناثرا أسفل قدميه، ورأسه للأعلى، غير عابئ ولا عالم بمبتدئه ولا بمنتهاه.
أجري وراء أسراب وأسراب تهتز كأنها جان، تبتعد، تتلاشى، تتناسل أخرى، تبدو إلي أقرب، لكن سرعان ما تلبس ثوب الأم، راكبة صهوة البعد، فتنفجر كفقاعات الصابون، ونفسي وراءها هائمة، في رشاشها ساهمة بعيون غائمة وأفكار عائمة.

وقفت عيانا أحرك أفكاري، أستحثها وذهني يحث نفسه عساه يصفو من شروده، صفا، فتفقدت روحي، لم أجدها، أخذت ألتفت إلى كل الاتجاهات بحثا عنها، فإذا بها تسير في الاتجاه الآخر، تأملتها، شدهني مغطيا ذهني، آخذا فكري والفجأة متربعة على حروف وجهي الباردة.
مستنكرا تساءلت: يا ويلتي أهذه أنت؟! هيفاء، غبراء، شعثاء، في ثياب من الأدران رقطاء، ويْحني أين كنت عنك؟! ولم ظللتِ قابعة وسط أكوام الصمت؟ أكلامك كان همسا يموت دون وصوله إلى أذن ذاكرتي؟ أصوتك انهزم أمام قوة ريح الهوى؟

ابتعدت عني ترمي خطوات وئيدة، ماضية إلى حيث تريد، إلى حيث تعرف ولا أعرف، والخفة تتناثر من حركاتها، والهواء ينش عوالقها، سرت أقتفيها جريا، ورجلاي يحملان جسدا ثقيلا، يعتليه رأس بحجم كرة أرضية بلا سكان، بلا محيطات، بلا ضفاف؛ فقط، جبال صماء، ووديان لا ماء فيها ولا حياة، غائرة جوفاء، يفيض منها العجاج صافعا أعاليها البعيدة عن السماء. وسحاب حابل يتحرك عاقدا العزم، حازما حقائبه الداكنة، متوجها في خط مستقيم حيث تنحو الروح.

سارت تبتعد بخفةِ ريشة مستقلة الهواء، وأنا لاهثا أجري وكأنني أجري في مكاني، تركزت صورتها في قلب عيني المنغرستين في جوف الفضاء، فاستحالت إلى نقطة، ثم تلاشت. ضاع الهدف، وبقي الجسد سائرا إلى حيث لا يدري.



- المغرب -

حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x