مرحبا بكم على الواجهة الجديدة لبرشلونة الأدبية

النساء يكتبن أحاسيسهن شعرا بين الصمود والإقصاء (1) - محمد علي محمد عبد الرحمن مكادي

مع مطلع القرن العشرين كان هناك اهتمام بالمرأة وقضاياها فظهرت دعوات إلى الإصلاح الاجتماعي وتحرير المرأة وتفعيل مشاركتها في المجتمع، و وفي تقدمه حضاريا
 


مع مطلع القرن العشرين كان هناك اهتمام بالمرأة وقضاياها فظهرت دعوات إلى الإصلاح الاجتماعي وتحرير المرأة وتفعيل مشاركتها في المجتمع، و وفي تقدمه حضاريا ، إذ أدرك رجال التنوير مكانتها في نهوضه ، فشجعوها على التعلم والمشاركة في الحياة الاجتماعية والثقافية(1) ، كما أسهمت هذه الدعوات حينئذ في دعم نتاجها الأدبي، فظهر الاهتمام بالأدب النسوي، وهذا الأدب تميز بخاصيته المعبرة عن ذات المرأة الشاعرة بقضاياها وخفايا حسها في البيئات النسائية، إذ يصف معاناة المرأة في المجتمع ومشاكلها النفسية والآمها الناتجة عن صراعها الداخلي بين تحقيق ذاتها ، والطاعة لقيم وثوابت المجتمع التي تهضم حقوقها الإنسانية ، إذ تعرضت لحرمانها من التعليم ، ومن الفرص المتكافئة لنشر نتاجاتها الأدبية، وخاصة الشعرية وهذا يُؤثر في نفسية النساء وفي إبداعها الإنساني.
والمرأة العربية لديها القدرة على الصمود والإبداع في كل مناحي الحياة ، فهي مصدر إلهام الشاعر /الرجل لقيثارة أنغام قصائده، ومن ثم عبر عنها الشاعر / الرجل خلال عصور طويلة فنقل أحاسيسها وتجربتها العاطفية التي هي جوهر وقوام أنوثتها وسر حياتها ؛ فكانت مصدرا للشعر والحكي والابتكار لديه، ولقد استطاعت المرأة أن تحلق بفضاءاتها وغموضها وسكونها ورقتها وشدتها وتمردها وحنانها؛ بل عبرت لتكون منطلقاً للتعبير عن قضايا جوهرية تخص حقيقة الوجود الإنساني نفسه من خلال وعي بالمضامين والدلالات يقابله واقع موضوعي يستدعي توظيف مزيد من الأدوات الفنية فأصبحت شاعرة ومبدعة متحدية تلك العادات والتقاليد التي فرضها المجتمع عليها، ومن ثم صمدت في وجه تلك المعركة حامية الوطيس التى شنها كبار الكتاب والمتنورين من أمثال طه حسين والعقاد وغيرهم فزعموا أن هناك من يكتب لهن من الرجال، وايصالها إلى حالة من الجنون كباحثة البادية ونبوية موسى وغيرهن من النساء المبدعات (2) ، ولقد أصبح في المجتع فريقين فريق يعارض إبداعات المرأة ويرى أن المرأة لها مكانتها وبيتها وأسرتها وفريق يساندها ويري أن المرأة هى النصف الآخر في المجتمع لديها القدرة على المشاركة في تنميته في شتى مناحي الحياة ، وظل السجال مستمرا حتى أبدعت المرأة وأصبحت شاعرة تعبر عن أحاسيسها شعرا بل تميزت في التعبير عن خصوصية التجربة الأنثوية في نصها الشعري وقضايها كتجربة الولادة والحمل، و تأثير الطلاق النفسي فيها وعن بوح الأنثى الشفيف لما تعانيه من قضايا لصيقة بها كأنثى، كما أن الوعي بالذات الأنثوية لديها جعلها تطرح ذاتها للآخر بوضوح وواقعية، آخذة في الاعتبار الجوانب الفنية لجودة الشعر.
هذا ، وقد تناولت المرأة الشاعرة العديد من القضايا التي تختص بالأنثى وقدمت نفسها للرجل وفق منظورها هي، وليست وفق منظوره هو، فالحب لديها فالحب لديها يتخط الإنساني الذاتي المحدود، ليصبح عالما روحانيا أرحب ، تسبح فيه كائناتُ الكون وأشياؤه، وموجوداته، ؛ لأنه قادرٌ على التحرك والإذابة، إذابة كل الفواصل والعوائق ودمج الروح بكائنات العالم، ويوقظ رغباتنا النائمة فيذيب كل الوائق أمامنا؛ فيصبح التابو مشروعا ومتداولا والعامي تابو ومقدس، فمن خلاله تستطيع أن تكشف عما يجري في عوالمها الداخلية وترسمه صورا مأمولة لعالم الحلم الذي تتجاوز عبره انكساراتها وأحزانها فغاد السمان تقول في ديوانها " أعلنت عليك الحب " (3) وهي تقول: فراق أو لا فراق / إني أعلت عليك الحب /إني أعلنت عليك السلام / إني أعلنت عليك الشوق / إني أعلنت علسك الغفران /ولست بنادمة /لأنني أنفقت عليك جسدي وروحي ..../ بل يكون حب الرجل جنة المرأة /لو تدري يوما أن حبكَ جنَّتًي / يامن زرعتَ الضوءَ بين أناملي/ قد كنتَ موجا مالحا اجتاحُني/ وغمرتَ بالحبِّ جميع سواحِلي / قد أكسرُ القانونَ في زمنِ الهوى/ كي تبقى كالمشكاةِ تلمعُ داخلي .
ولقد قدمت الهام عفيفي في ديوانها أنثى من الشرق وصفةٌ سحريةٌ للحب في عصر العلم فهي لا ترجو ديمقراطية ولا حرية بل تطلب عشقا بلا حدود تذوب فيه وتنصهر في عالم الروح روح الرجل قائلة : عيناكِ حكايا وهمية / أحببتك في عصر العلم / فوجدتكِ أسمى نظرية / في خصركِ .. خارطة الكون/ في كفكِ طُهر البشرية/ في جيدكِ أنهار تترى/ في خدكِ تضحك أغنية/ بحروفكِ يعزف قانوني/ أسطورة عشق أبدية/ طاغية أنت على قلبي/ وانا لا أطلب حرية / أحببت قيودي في عشق/لا أرجوديمقراطية .(4)
ولعلي أذكر مشهدا من المشاهد التي رأيتها في مطلع حياتي إبان دراستي في دار العلوم القاهرة في مطلع ثمنينيات القرن الماضي عندما القت الشاعرة القديرة علية الجعار قصيدتها أمام ثلة من الشعراء والنقاد المتخصصون وكيف بدا عليها الحياء والارتباك ولكن صمودها وقوة ارادتها جعلتها تواصل القاء القصيد ة وأثبتت في هذا اليوم قوة إرادتها وهي تقول :
والله أحبك لا تقلق دع شيبك يسفر يتألق
حبي شلال جبار في عمق شعوري يتدفق
لا يوقفه عمر يجري أو فجر في شعرك أشرق
أهواك وحبي يتسامى عن كل غرام يتفوق
لن تعرف أخلص من قلبي في حبك ما عشت وأصدق
ملكتك روحي وحياتي فليغيرك وحدك لم أخلق
فالشاعرة هنا جسدت حالتها النفسية المتوازنة دون أن تدخل ألى المحرم أو ما يجرح المشاعر ويدغدغها فجاءت رؤيتها عن الحب متوازنة وساعدها في ذلك الموسيقى الشعرية والوزن والتصوير وسلاسة اللغة .
إن قضية الحب كانت ولازالت وستظل أهم القضايالدى الشواعر النساء فهن أقدر على التعبير عنها بصدق وإحساس ح لأنه تاريخها وليس حدثا عابرا في حياتها بل تحيا به فشعورها أنها محبوبة يسعدها بشكل مطلق، لكن شعورها بأنها محبة للرجل الذي تحبه يجعلها تحلِّق في عوالمها الخاصة ._( يتبع )
الهوامش :(1) انظر : المرأة واللغة ، الكتابة ضد الكتابة ،عبد الله محمد الغزامي
(2) انظر في نقد الشعر العربي المعاصر دراسة جمالية، رمضان الصباغ - الشعر النسائي...قضاياه واتجاهاته (مقال ) سفيان حكوم
(3) غادة السمان ، ديوان أعلنت عليك الحب .
(4) الهام عفت ‘ ديوان أنثى من الشرق. (يتبع)

- مصر -
حقوق النشر © برشلونة الأدبية جميع الحقوق محفوظة
x